أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

129

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ . يجوز أن يكون « نَقُصُّهُ » خبرا و « مِنْ أَنْباءِ » حال ، ويجوز العكس . قيل : وثمّ مضاف محذوف أي : من أنباء القرى ، ولذلك أعاد الضمير عليهم في قوله : « وَما ظَلَمْناهُمْ » . قوله : مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ « حَصِيدٌ » مبتدأ محذوف الخبر لدلالة خبر الأول عليه ، أي : ومنها حصيد ، وهذا لضرورة المعنى ، وهل لهذه الجملة محل من الإعراب ؟ فقال الزمخشري : « لا محل لها » ، لأنها « مستأنفة » . وقال أبو البقاء : « إنها في محل نصب على الحال من مفعول « نَقُصُّهُ » . ويجوز في « ذلِكَ » أوجه : أحدها : أنه مبتدأ ، وقد تقدم . والثاني : أنه منصوب بفعل مقدر يفسره « نَقُصُّهُ » فهو من باب الاشتغال ، أي : نقص ذلك في حال كونه من أنباء القرى . وقد تقدم في قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ * وهي عائدة هنا . والحصيد : بمعنى : محصود ، وجمعه : حصدى وحصاد مثل : مريض ومرضى ومراض . وهذا قول الأخفش . ولكن باب « فعيل وفعلى » أن يكون في العقلاء نحو : قتيل وقتلى . قوله : لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ . قال الزمخشري : « لمّا منصوب ب « ما أغنت » . وهو بناء منه على أن « ما » نافية أي : لم تغن ، ويجوز أن تكون استفهامية ، و « يَدْعُونَ » حكاية حال ، أي ؛ التي كانوا يدعون . « وَما زادُوهُمْ » الضمير المرفوع للأصنام ، والمنصوب لعبدتها ، وعبّر عنهم بواو العقلاء ، لأنهم نزلوا منزلتهم . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 102 إلى 107 ] وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 ) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 ) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ( 105 ) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) قوله : وَكَذلِكَ . خبر مقدم ، و « أَخْذُ » مبتدأ مؤخر ، والتقدير : ومثل ذلك الأخذ ، أي : أخذ اللّه الأمم السالفة أخذ ربك . و « إِذا » ظرف متمخض ناصبه المصدر قبله ، وهو قريب من حكاية الحال ، والمسألة من باب التنازع ، فإنّ الأخذ يطلب « الْقُرى » وأخذ الفعل يطلبها وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول . وقرأ أبو رجاء والجحدري « أخذ ربّك إذ أخذ » جعلهما فعلين ماضيين ، و « رَبِّكَ » فاعل ، وقرأ طلحة بن مصرف وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ . قال ابن عطية : « وهي قراءة متمكنة المعنى ، ولكن قراءة الجماعة تعطي الوعيد واستمراره من الزمان ، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي . قوله : وَهِيَ ظالِمَةٌ جملة حالية . و « التّتبيب » : التّحسير ، يقال : تبّه غيره وتبّ هو بنفسه ، فيستعمل لازما ومتعديا ، ومنه : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، وتبّبته تتبيبا ، أي : خسّرته تخسيرا . قال لبيد « 1 » :

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية : ( 44 ) .