أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

128

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : فَأَوْرَدَهُمُ . يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال ، وذلك أن « يَقْدُمُ » يصلح أن يتسلط على « النَّارَ » بحرف الجر ، أي : يقدم قومه إلى النار ، وكذا « أوردهم » يصح تسلطه عليها أيضا . ويكون قد أعمل الثاني للحذف من الأول ، ولو أعمل الأول لتعدى ب « إلى » ولا ضمير في الثاني ، ولا محل ل « أورد » لاستئنافه ، وهو ماض لفظا ، مستقبل معنى ، لأنه عطف على ما هو نص في الاستقبال ، والهمزة في « أورد » للتعدية ، لأنه قبلها يتعدى لواحد . قال تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ « 1 » وقيل أوقع الماضي هنا لتحققه ، وقيل : بل هو ماض على حقيقته ، وهذا قد وقع وانفصل ، وذلك أنه أوردهم في الدنيا النار . قال تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها « 2 » ، وقيل : أوردهم موجبها وأسبابها ، وفيه بعد ، لأجل العطف بالفاء . والورد : يكون مصدرا ، بمعنى : الورود ، ويكون بمعنى الشيء المورد : كالطّحن والرّعي ، ويطلق أيضا على الوارد ، وعلى هذا إن جعلت الورد مصدرا أو بمعنى الوارد ، فلا بد من حذف مضاف تقديره : وبئس مكان الورد المورود وهو النار ، وإنما احتيج إلى هذا التقدير ، لأن تصادق فاعل نعم وبئس ومخصوصهما شرط ، لا يقال : نعم الرّجل الفرس . وقيل : بل المورود صفة للورد ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره : بئس الورد المورود النار ، جوّز ذلك أبو البقاء وابن عطية وهو ظاهر كلام الزمخشري . وقيل : التقدير : بئس القوم المورود بهم هم فعلى هذا الورد المراد به الجمع الواردون ، و « الْمَوْرُودُ » صفة ل « هم » والمخصوص بالذم الضمير المحذوف وهو « هم » فيكون ذلك للواردين لا لموضع الورود ، كذا قاله الشيخ « 3 » وفيه نظر لا يخفى كيف يراد بالورد الجمع الواردون ، ثم يقول : والمورود صفة ل « هم » ، وفي وصف مخصوص « نعم وبئس » خلاف بين النحويين منعه ابن السراج ، وأبو علي . و : بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ . كالذي قبله ، وقوله : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ عطف على موضع « فِي هذِهِ » ، والمعنى : أنهم ألحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة ، ويكون الوقف على هذا تاما ، ويبتدأ بقوله : « بِئْسَ » . وزعم جماعة : أن التقسيم هو أن لهم في الدنيا لعنة ويوم القيام بئس ما يوعدون به ، فهي لعنة واحدة أولا وقبح إرفاد آخر ، وهذا لا يصح ، لأنه يؤدي إلى إعمال بئس فيما تقدم عليها ، وذلك لا يجوز ، لعدم تصرفها . اما لو تأخر لجاز كقوله : 2726 - ولنعم حشو الدّرع أنت إذا * دعيت نزال ولجّ في الذّعر « 4 » وأصل الرّفد - كما قال الليث - : العطاء والمعونة ، ومنه : « رفادة قريش » ، رفدته أرفده رفدا ورفدا بكسر الراء وفتحها : أعطيته وأعنته ، وقيل : بالفتح مصدر وبالكسر اسم كأنه نحو : الرّعي والرّيح ، ويقال : رفدت الحائط ، أي : دعمته ، وهو معنى الإعانة .

--> ( 1 ) سورة القصص ، آية : ( 23 ) . ( 2 ) سورة غافر ، آية : ( 46 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 259 ) . ( 4 ) البيت لزهير يمدح هرم بن سنان انظر ديوانه ( 54 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 271 ) ، جمل الزجاجي ( 233 ) ، المقتضب ( 3 / 370 ) ، الإنصاف ( 2 / 535 ) ، شرح ديوان الحماسة ( 1 / 62 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 26 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 27 ) ، الخزانة ( 6 / 316 ) ، البحر المحيط ( 5 / 259 ) ، روح المعاني ( 12 / 135 ) ، وينسب هذا البيت إلى أوس بن حجر في ديوانه ص 139 . . والمعنى : يقول نعم لابس الدرع أنت ، إذا اشتدت الحرب وحميت ، وتزاحمت الاقران ، فتداعوا بالنزول من الخيل ، والتضارب بالسيوف .