أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
74
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثالث : أنها فتحت على تقدير حذف حرف الجر ، والتقدير : لأنه من عمل ، فلما حذفت اللام جرى في محلها الخلاف المشهور . الرابع : أنها مفعول ب « كَتَبَ » و « الرَّحْمَةَ » مفعول من أجله ، أي : كتب أنّه من عمل لأجل رحمته إياكم . قال الشيخ : « وينبغي ألّا يجوز ، لأنه فيه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه » . وأما فتح الثانية فمن خمسة أوجه : أحدها : أنها في محل رفع ، على أنها مبتدأ والخبر محذوف ، أي : فغفرانه ورحمته حاصلان ، أو كائنان ، أو فعليه غفرانه ورحمته . وقد أجمع القراء على فتح ما بعد فاء الجزاء في قوله : أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ « 1 » ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ « 2 » ، كما أجمعوا على كسرها في قوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ « 3 » . الثاني : أنها في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : فأمره ، أو شأنه أنه غفور رحيم . . الثالث : أنها تكرير للأولى ، كررت لما طال الكلام ، وعطفت عليها بالفاء ، وهذا منقول عن أبي جعفر النحاس ، وهذا وهم فاحش ، لأنه يلزم منه أحد محذورين ، إما بقاء مبتدأ بلا خبر ، أو شرط بلا جواب . وبيان ذلك أن « مَنْ » في قوله : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ لا يخلو إما أن تكون موصولة ، أو شرطية ، وعلى كلا التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء ، فلو جعلنا أن الثانية معطوفة على الأولى لزم عدم خبر المبتدأ ، وجواب الشرط وهو لا يجوز . وقد ذكر هذا الاعتراض ، وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة ، فقال : « ومنهم من جعل الثانية تكريرا للأولى ، لأجل طول الكلام على حد قوله : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ، ودخلت الفاء في : « فَأَنَّهُ غَفُورٌ » على دخولها في فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ « 4 » على قول من جعله تكريرا لقوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ إلّا أن هذا ليس مثل « أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ » لأن هذه لا شرط فيها ، وهذه فيها شرط فيبقى بغير جواب فقيل : الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه ، تقديره : غفر لهم انتهى » . وفيه بعد . وسيأتي هذا الجواب أيضا في القراءة الثانية منقولا عن أبي البقاء ، وكان ينبغي أن يجيب به هنا ، لكنه لم يفعل ، ولم يظهر فرق في ذلك . الرابع : أنها بدل من الأولى ، وهو قول الفراء ، والزجاج ، وهذا مردود بشيئين ، أحدهما : أن البدل لا يدخل فيه حرف عطف ، وهذا مقترن بحرف العطف ، فامتنع أن يكون بدلا . فإن قيل : تجعل الفاء زائدة ، فالجواب أن زيادتها غير جائزة ، وهو شيء قال به الأخفش . وعلى تقدير التسليم فلا يجوز ذلك من وجه آخر . وهو خلو المبتدأ ، أو الشرط عن خبر أو جواب ، كما تقدم تقرير . فإن قيل : يجعل الجواب محذوفا ، كما تقدم نقله عن أبي شامة . قيل : هذا بعيد عن الفهم . الخامس : أنها مرفوعة بالفاعلية ، تقديره : فاستقر له أنه غفور ، أي : استقر له ، وثبت غفرانه . ويجوز أن يقدر في هذا الوجه جارا رافعا لهذا الفاعل عند الأخفش ، تقديره : فعليه أنه غفور ، لأنه يرفع به ، وإن لم يعتمد ، وقد تقدم تحقيقه غير مرة . وأما القراءة الثانية : فكسر الأولى من ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 63 ) . ( 2 ) سورة الحج ، آية ( 4 ) . ( 3 ) سورة الجن ، آية ( 23 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، آية ( 188 ) .