أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

75

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنها مستأنفة ، وأن الكلام تام قبلها ، وجيء بها ، وبما بعدها كالتفسير لقوله : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » . والثاني : أنها كسرت بعد قول مقدر ، أي : قال اللّه - تعالى - ذلك ، وهذا في المعنى كالذي قبله . والثالث : أنه أجرى « كَتَبَ » مجرى « قال » فكسرت بعده ، كما تكسر بعد القول الصريح ، وهذا لا يتمشى على أصول البصريين . وأما كسر الثانية فمن وجهين : أحدهما : أنها على الاستئناف بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبرا ل « مَنْ » الموصولة ، أو جوابا لها ، إن كانت شرطا . والثاني : أنها عطف على الأولى ، وتكرير لها . ويعترض على هذا بأنه يلزم بقاء المبتدأ بلا خبر ، أو الشرط بلا جزاء ، كما تقدم ذلك في المفتوحتين . وأجاب أبو البقاء هنا عن ذلك بأن خبر « مَنْ » محذوف دل عليه الكلام . « وقد قدمت ذلك أنه كان ينبغي أن يجيب بهذا الجواب في المفتوحتين ، عند من جعل الثانية تكريرا للأولى ، أو بدلا منها . ثم قال : « ويجوز أن يكون العائد محذوفا ، أي : فإنه غفور له » . قلت : قوله : ويجوز ، ليس بجيد ، بل كان ينبغي أن يقول : ويجب لأنه لا بدّ من ضمير عائد على المبتدأ من الجملة الخبرية أو ما يقوم مقامه ، إن لم تكن نفس المبتدأ . وأما القراءة الثالثة فيؤخذ فتح الأولى ، وكسر الثانية ، مما تقدم من كسرهما وفتحهما بما يليق من ذلك ، وهو ظاهر . وأما القراءة الرابعة فكذلك . وقال أبو شامة : وأجاز الزجاج كسر الأولى وفتح الثانية ، وإن لم يقرأ به » . قلت : قد قدمت أن هذه قراءة الأعرج ، وأن الزهراوي وأبا عمرو الداني نقلاها عنه ، فكأن الشيخ لم يطلع عليها ، وقدمت لك أيضا أن سيبويه لم يرو عن الأعرج إلّا كقراءة نافع ، فهذا مما يصلح أن يكون عذرا للزجاج . وأما أبو شامة فإنّه متأخر فعدم اطلاعه عجيب . والهاء في « أَنَّهُ » ضمير الأمر والقصة ، و « مَنْ » يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة وعلى كل تقدير فهي مبتدأة ، والفاء وما بعدها في محل جزم جوابا إن كانت شرطا وإلا ففي محل رفع خبرا إن كانت موصولة ، والعائد محذوف ، أي : غفور له . والهاء في « بَعْدِهِ » يجوز أن تعود على « السّوء » ، وأن تعود على العمل المفهوم من الفعل ، كقوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ « 1 » والأول أولى ، لأنه أصرح . و « مِنْكُمْ » متعلق بمحذوف ، هو حال من فاعل « عَمِلَ » ، ويجوز أن تكون « مَنْ » للبيان ، فيعمل فيها أعني مقدرا . وقوله : « بِجَهالَةٍ » فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « عَمِلَ » على أن الباء للسببية ، أي : عمله بسبب الجهل ، وعبر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به ، وليس بواضح . والثاني - وهو الظاهر - : أنها للحال ، أي : عمله مصاحبا للجهالة . و « مَنْ » في « مِنْ » بَعْدِهِ » لابتداء الغاية . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 55 إلى 58 ] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 56 ) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ( 57 ) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ( 58 )

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) .