أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

67

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : هَلْ يُهْلَكُ . هذا استفهام بمعنى النفي ، وولذلك دخلت « إِلَّا » وهو استثناء مفرغ ، والتقدير : ما يهلك إلا القوم الظالمون وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ل « أَ رَأَيْتَكُمْ » ، والأول محذوف ، وهذا من التنازع على رأي الشيخ « 1 » ، كما تقدم تقريره ، وقال أبو البقاء : الاستفهام ههنا بمعنى التقرير ، فلذلك ناب عن جواب الشرط ، أي : إن أتاكم هلكتم » . والظاهر ما قدمته . ويجيء هنا قول الحوفي المتقدم في الآية قبلها من كون الشرط حالا . وقرأ ابن محيصن « هل يهلك » مبنيا للفاعل ، وتقدم الكلام أيضا على نعته اشتقاقا وإعرابا . قوله : إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . حال من « الْمُرْسَلِينَ » ، وفي هذه الحال معنى العلية ، أي : لم نرسلهم لأن تقترح عليهم الآيات ، بل لأن يبشروا وينذروا ، وقرأ إبراهيم ، ويحيى : « مبشرين » بالتخفيف ، وقد تقدم أن « أبشر » لغة في « بشّر » . قوله : « فَمَنْ آمَنَ » يجوز في « من » أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، وعلى كلا التقديرين فمحلها رفع بالابتداء ، والخبر « فَلا خَوْفٌ » . فإن كانت شرطية فالفاء جواب الشرط ، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط ، وعلى الأول يكون محل الجملتين الجزم ، وعلى الثاني لا محل للأولى ، ومحل الثانية الرفع وحمل على اللفظ ، فأفرد في « آمَنَ » و « أَصْلَحَ » ، وعلى المعنى فجمع في « فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » ويقوي كونه موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله : « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا » . وقرأ علقمة « نمسّهم » بنون مضمومة ، من « أمسّه » كذا « العذاب » نصبا . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب « يَفْسُقُونَ » بكسر السين ، وقد تقدم « 2 » أنها لغة ، و « ما » مصدرية على الأظهر ، أي : بفسقهم . قوله : وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ . في محل هذه الجملة وجهان : أحدهما : النصب عطفا على قوله : « عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ » ، لأنه من جملة المقول ، كأنه قال : لا أقول لكم هذا القول ، ولا هذا القول . قاله الزمخشري ، وفيه نظر من حيث إنّه يؤدي إلى أنه يصير التقدير : ولا أقول لكم لا أعلم الغيب ، وليس بصحيح . والثاني : أنه معطوف على : « لا أَقُولُ » لا معمول له ، فهو أمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث ، فهي معمولة للأمر الذي هو : « قُلْ » ، وهذا تخريج الشيخ ، قال - بعد أن حكى قول الزمخشري - : ولا يتعين ما قاله ، بل الظاهر أنه معطوف على « لا أَقُولُ » . . . إلى آخره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 52 ] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 )

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 132 ) . ( 2 ) انظر الكلام على آية ( 59 ) من سورة البقرة .