أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

68

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : بِالْغَداةِ . قرأ الجمهور « بِالْغَداةِ » هنا ، وفي الكهف ، وابن عامر « بالغدوة » بضم الغين وسكون الدال وفتح الواو في الموضعين ، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السّلميّ ، والحسن البصري ، ومالك بن دينار ، وأبي رجاء العطاردي ، ونصر بن عاصم الليثي « 1 » . والأشهر في « الغدوة » أنها معرفة بالعلمية ، وهي علمية الجنس كأسامة في الأشخاص ، ولذلك منعت من الصرف . قال الفراء : سمعت أبا الجراح يقول : ما رأيت كغدوة قطّ يريد : غداة يومه ، قال : ألا ترى أن العرب لا تضيفها ، فكذا لا تدخلها الألف واللام . إنما يقولون : « جئتك غداة الخميس » . وقال الفراء في كتاب المعاني في سورة الكهف - « 2 » : « قرأ أبو عبد الرحمن السّلميّ « بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ » « 3 » ، ولا أعلم أحدا قرأ بها غيره . والعرب لا تدخل الألف واللام في « الغدوة » لأنها معرفة بغير ألف ولام . [ سمعت أبا الجرّاح ] . . . فذكره إلى آخره . وقد طعن أبو عبيد القاسم بن سلّام على هذه القراءة ، فقال : « إنما نرى ابن عامر والسّلميّ قراء تلك القراءة . اتباعا للخط ، وليس عن إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها ، إنهم كتبوا « الصَّلاةَ » و « الزَّكاةَ » « 4 » بالواو ، ولفظهما على تركها وكذلك « الغداة » على هذا وجدنا العرب » . وقال الفارسي : الوجه قراءة العامة « بِالْغَداةِ » لأنها تستعمل نكرة ومعرفة باللام . فأما « غدوة » فمعرفة وهو علم وضع للتعريف » . وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللام للتعريف ، كما لا تدخل على سائر الأعلام ، وإن كانت قد كتبت بالواو ، لأنها لا تدل على ذلك ، ألا ترى « الصَّلاةَ » و « الزَّكاةَ » بالواو ، لا يقرآن بها ، فكذلك « الغداة » . قال سيبويه « 5 » : « غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للحين ، كما جعلوا أمّ حبين اسما لدابّة معروفة » . إلّا أن هذا الطعن لا يلتفت إليه ، وكيف يظن بمن تقدم أنهم يلحنون ؟ والحسن البصري ممن يستشهد بكلامه فضلا عن قراءته ، ونصر بن عاصم شيخ النحاة ، أخذ هذا العلم عن أبي الأسود ينبوع الصناعة وابن عامر لا يعرف اللحن ، لأنه عربي ، وقرأ على عثمان بن عفان ، وغيره من الصحابة ، ولكن أبا عبيد - رحمه اللّه - لم يعرف أن تنكير « غدوة » لغة ثابتة عن العرب ، حكاها سيبويه والخليل ، قال سيبويه « 6 » : « زعم الخليل أنه يجوز أن تقول : آتيك اليوم غدوة وبكرة ، فجعلهما مثل ضحوة . « قال المهدوي : حكى سيبويه والخليل أن بعضهم ينكر ، فيقول : غدوة ، وبذلك قرأ ابن عامر ، كأنه جعله نكرة ، فأدخل عليها الألف واللام » . قال أبو علي الفارسي : وجه دخول الألف واللام عليها أنه يجوز وإن كانت معرفة أن تتركه كما حكى أبو زيد : لقيته فينة ، غير مصروفة ، والفينة بعد الفينة ، أي : الحين بعد الحين ، فألحق لام التعريف ما استعمل معرفة ، ووجه ذلك أنه يقلّد فيه التنكير والشيوع ، كما يقدّر فيه ذلك إذا ثنى » . وقال أبو جعفر النحاس : قرأ أبو عبد الرحمن ومالك ودينار وابن عامر « بالغدوة » ، قال : وباب « غدوة » أن تكون معرفة ، إلّا أنه يجوز تنكيرها ، كما تنكر الأسماء الأعلام ، فإذا نكرت دخلتها الألف واللام للتعريف » . وقال مكي بن أبي طالب : « إنما دخلت الألف واللام على « غداة » لأنها نكرة ، وأكثر العرب يجعل « غدوة » معرفة فلا ينونها وكلهم يجعل « غداة » نكرة فينونها ، ومنهم من يجعل « غدوة » نكرة ، وهم الأقل » . فثبت بهذه النقول التي ذكرتها عن هؤلاء الأئمة أن قراءة ابن عامر سالمة من طعن أبي عبيد ، وكأنه - رحمه اللّه - لم يحفظها لغة . وأما « الْعَشِيِّ » فنكرة ، وكذلك « عشيّة » . وله « الْعَشِيِّ » مرادف

--> ( 1 ) انظر البحر 4 / 134 . ( 2 ) عند آية ( 28 ) . ( 3 ) آية ( 28 ) . ( 4 ) انظر الآية ( 43 ) من سورة البقرة . ( 5 ) انظر الكتاب ( 3 / 293 ) . ( 6 ) انظر الكتاب ( 3 / 294 ) .