أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
63
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1935 - وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة * يوما سراة كرام النّاس فادعينا « 1 » وقال آخر : 1936 - دعوت لما نابني مسورا * فلبّى فلبّي يدي مسور « 2 » والثاني : أن يتعلق ب « يكشف » . قال أبو البقاء : أي : يرفعه إليه انتهى . والضمير على هذا عائد على اللّه تعالى . وذكر أبو البقاء وجهي التعلق ، ولم يتعرض للضمير ، وقد عرفته . وقال ابن عطية : والضمير في « إِلَيْهِ » يحتمل أن يعود إلى « اللّه » - تعالى - بتقدير : فيكشف ما تدعون فيه إليه » . قال الشيخ « 3 » : وهذا ليس بجيد ، لأن « دعا » يتعدى لمفعول به ، دون حرف جر : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 4 » ، إِذا دَعانِ « 5 » ، ومن كلام العرب : « دعوت اللّه سميعا » . قلت : ومثله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا « 6 » ، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً « 7 » . قال : ولا تقول « 8 » بهذا المعنى : دعوت إلى اللّه بمعنى : دعوت اللّه ، إلا أنه يمكن أن يصحح كلامه بمعنى التضمين ، ضمن « يدعون » معنى : يلجأون إلى اللّه ، إلا أن التضمين ليس بقياس ، لا يصار إليه إلا عند الضرورة ، ولا ضرورة تدعو إليه هنا . قلت : ليس التضمين مقصورا على الضرورة ، وهو في القرآن أكثر من أن يحصى ، تقدم لك منه جملة صالحة ، وسيأتي لك إن شاء اللّه - تعالى - مثلها « 9 » على أنه قد يقال : تجويز أبي محمد عود الضمير إلى اللّه تعالى محمول على أن « إِلَيْهِ » متعلّق ب « يكشف » كما تقدم نقله عن أبي البقاء ، وأن معناه : يرفعه إليه ، فلا يلزم المحذور المذكور ، لولا أنه يعكر عليه تقديره بقوله : تدعون فيه إليه . فتقدير « فيه » ظاهره أنه يزعم تعلقه ب « تَدْعُونَ » . قوله : « إِنْ شاءَ » جوابه محذوف لفهم المعنى ، ودلالة ما قبله عليه ، أي : إن شاء أن يكشف كشف . وادعاء تقديم جواب الشرط هنا واضح ، لاقترانه بالفاء ، فهو أحسن من قولهم : أنت ظالم إن فعلت لكن يمنع من كونها جوابا هنا ، أنها سببية مرتّبة ، أي : أنها أفادت ترتب الكشف على الدعاء ، وأن الدعاء سبب فيه ، على أن لنا خلافا في فاء الجزاء ، هل تفيد السببية أو لا ؟ قوله : وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ الظاهر في « ما » أن تكون موصولة اسمية ، والمراد بها ما عبد من دون اللّه مطلقا العقلاء وغيرهم ، إلّا أنه غلب غير العقلاء عليهم ، كقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ « 10 » ، والعائد محذوف ، أي : ما تشركونه مع اللّه في العبادة . وقال الفارسي : الأصل : وتنسون دعاء ما تشركون ، فحذف المضاف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وحينئذ لا تحتاج إلى عائد عند الجمهور . ثم هل هذا المصدر باق على حقيقته ، أي : تنسون الإشراك نفسه لما يلحقكم من الدهشة والحيرة ، أو هو واقع موقع المفعول به ؟ أي : وتنسون المشرك به ، وهي الأصنام وغيرها ، وعلى هذا فمعناه كالأول ، وحينئذ يحتمل النسيان أن يكون على بابه من الغفلة ، وأن يكون بمعنى الترك ، وإن كانوا ذاكرين لها ، أي للأصنام وغيرها .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لأعرابي من بني أسد انظر الكتاب ( 1 / 352 ) ، الخزانة ( 2 / 92 ) ، ابن يعيش ( 1 / 119 ) ، اللسان ( لبب ) البحر ( 4 / 129 ) . نابني : أصابني ، سور اسم رجل . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 129 ) . ( 4 ) سورة غافر ، آية ( 60 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 186 ) . ( 6 ) سورة الإسراء ، آية ( 110 ) . ( 7 ) سورة الأعراف ، آية ( 55 ) . ( 8 ) انظر الكلام على آية ( 187 ، 226 ) من سورة البقرة . ( 9 ) انظر الكلام عند سورة الكهف آية ( 28 ) . ( 10 ) سورة النحل ، آية ( 49 ) .