أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
64
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 42 إلى 45 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) وقوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ . في الكلام حذف ، تقديره : أرسلنا رسلا إلى أمم ، فكذبوا فأخذناهم ، وهذا الحذف ظاهر جدا . و « مِنْ » متعلق ب « أَرْسَلْنا » ، وفي جعله صفة ل « أُمَمٍ » كلام تقدم غير مرّة . وتقدم « 1 » تفسير « الْبَأْساءِ » و « الضَّرَّاءِ » ، ولم يلفظ لهما بمذكر على أفعل . قوله : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا . « إِذْ » منصوب ب « تَضَرَّعُوا » فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه ، وهو جائز حتى في المفعول به ، تقول : لولا زيدا ضربت ، وتقدم أن حرف التحضيض مع الماضي يكون معناه التوبيخ . والتّضرّع : تفعل من الضراعة ، وهي الذلة والهيئة المنبئة عن الانقياد إلى الطاعة ، يقال : ضرع يضرع ضراعة فهو ضارع وضرع ، قال : 1937 - ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط ممّا تطيح الطّوائح « 2 » وللسهولة والتذلل المفهومة من هذه المادة اشتقوا منها للثدي اسما فقالوا له : ضرع . قوله : وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ « لكِنْ » هنا واقعة بين ضدين ، وهما اللين والقسوة ، وذلك أن قوله : « تَضَرَّعُوا » مشعر باللين والسهولة ، وكذلك إذا جعلت الضراعة عبارة عن الإيمان ، والقسوة عبارة عن الكفر ، وعبرت عن السبب بالمسبب ، وعن المسبب بالسبب ، ألا ترى أنك تقول : آمن فتضرع ، وقسا قلبه فكفر ، وهذا أحسن من قول أبي البقاء . « وَلكِنْ » استدراك على المعنى ، أي : ما تضرّعوا ، ولكن » . يعني : أن التحضيض في معنى النفي . وقد يترجح هذا بما قاله الزمخشري ، فإنه قال . معناه : نفي التضرع ، كأنه قيل : لم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا . ولكنه جاء ب « لولا » ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلّا قسوة قلوبهم ، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم » . قوله : وَزَيَّنَ لَهُمُ هذه الجملة تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون استئنافية أخبر تعالى عنهم بذلك . والثاني : - وهو الظاهر - : أنها داخلة في حيز الاستدراك ، فهي نسق على قوله : قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وهذا رأي الزمخشري ، فإنّه قال : لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلّا قسوة قلوبهم ، وإعجابهم بأعمالهم » . وقد تقدم ذلك . و « ما » في قوله : ما كانُوا تحتمل أن تكون موصولة اسمية ، أي : الذي كانوا يعلمونه ، وأن تكون مصدرية ، أي : زيّن لهم عملهم ، كقوله : « زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ » « 3 » ويبعد جعلها نكرة موصوفة .
--> ( 1 ) انظر آية ( 177 ) من سورة البقرة . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة النمل ، آية ( 4 ) .