أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

53

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وعبادته . قوله : « مِنْ شَيْءٍ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن « مِنْ » زائدة في المفعول به ، والتقدير : ما فرطنا شيئا وتضمن « فَرَّطْنا » معنى : « تركنا وأغفلنا » ، والمعنى : ما أغفلنا ولا تركنا شيئا . ثم اختلفوا في « الْكِتابِ » ما المراد به ؟ فقيل : اللوح المحفوظ ، وعلى هذا فالعموم ظاهر ، لأن اللّه تعالى أثبت ما كان ، وما يكون فيه . وقيل : القرآن ، وعلى هذا فهل العموم باق ؟ منهم من قال : نعم ، وأن جميع الأشياء مثبتة في القرآن إمّا بالصريح ، وإمّا بالإيماء . ومنهم من قال : إنّه يراد به الخصوص ، والمعنى : من شيء يحتاج إليه المكلفون . والثاني : « مِنْ » تبعيضية ، أي : ما تركنا ولا أغفلنا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلف . والثالث : أن « مِنْ » شيء في محل نصب على المصدر ، و « مِنْ » زائدة فيه أيضا ، ولم يجز أبو البقاء غيره ، فإنّه قال « مِنْ » زائدة ، و « شَيْءٍ » هنا واقع موقع المصدر ، أي تفريطا ، وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن بأن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا ، ونظير ذلك : لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً « 1 » . ولا يجوز أن يكون مفعولا به ، لأن « فَرَّطْنا » لا يتعدى بنفسه ، بل بحرف الجر ، وقد عديت إلى « الْكِتابِ » بفي ، فلا تتعدى بحرف آخر ، ولا يصح أن يكون المعنى : ما تركنا في الكتاب من شيء ، لأن المعنى على خلافه ، فبان أن التأويل ما ذكرنا انتهى » ، قوله : يحتوي على ذكر كل شيء صريحا ، لم يقل به أحد ، لأنه مكابرة في الضروريات . وقرأ الأعرج وعلقمة : « فرطنا » مخففا . فقيل : هما بمعنى . وعن النقاش : « فَرَّطْنا » : أخرنا ، كما قالوا : فرط اللّه عنك المرض ، أي : أزاله . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا . مبتدأ وما بعده الخبر . ويجوز أن يكون « صُمٌّ » خبر مبتدأ محذوف ، والجملة خبر الأول ، والتقدير : والذين كذبوا بعضهم صمّ ، وبعضهم بكم . وقال أبو البقاء : « صُمٌّ » و « بُكْمٌ » الخبر ، مثل حلو حامض ، والواو لا تمنع من ذلك » . قلت : هذا الذي قاله لا يجوز من وجهين : أحدهما : أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبران في معنى خبر واحد ، لأنهما في معنى مزّ ، وهو أعسر يسر بمعنى : أضبط . وأما هذان الخبران فكل منهما مستقل بالفائدة . والثاني : أن الواو لا تجوز في مثل هذا إلّا عند أبي عليّ الفارسي . وهو وجه ضعيف . قوله : فِي الظُّلُماتِ فيه أوجه : أحدها : أن يكون خبرا ثانيا لقوله : « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا » ، ويكون ذلك عبارة عن العمى ، ويصير نظير الآية

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 120 ) .