أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

54

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الأخرى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ « 1 » فعبر عن العمي بلازمه ، والمراد بذلك عمى البصيرة . الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في الخبر ، تقديره : ضالون حال كونهم مستقرين في الظلمات . الثالث : أنه صفة ل « بُكْمٌ » فيتعلق أيضا بمحذوف أي : بكم كائنون في الظلمات . الرابع : أن يكون ظرفا على حقيقته ، وهو ظرف ل « صُمٌّ » أو ل « بُكْمٌ » . قال أبو البقاء : « أو لما ينوب عنهما من الفعل » . أي : لأن الصفتين في قوة التصريح بالفعل . قوله : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ في « مَنْ » وجهان : أحدهما : أنها مبتدأ ، وخبرها ما بعدها ، وقد عرف غير مرّة « 2 » . ومفعول « يَشَأِ » محذوف ، أي : من يشأ اللّه إضلاله . والثاني : أنه منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده من حيث المعنى ويقدر ذلك الفعل متأخرا عن اسم الشرط ، لئلا يلزم خروجه عن الصدر ، وقد تقدم التنبيه على ذلك « 3 » ، وأن فيه خلافا . والتقدير : من يشق اللّه يشأ إضلاله ، ومن يسعد يشأ هدايته . فإن قلت : هل يجوز أن يكون « مَنْ » مفعولا مقدما ل « يَشَأِ » ؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز لفساد المعنى ، فإن قلت : أقدر مضافا هو المفعول ، حذف ، وأقيمت « مَنْ » مقامه ، تقديره : إضلال من يشأ ، وهداية من يشأ ، ودل على هذا المضاف جواب الشرط ؟ فالجواب أن الأخفش حكى عن العرب أن اسم الشرط غير الظرف والمضاف إلى اسم الشرط ، لا بدّ أن يكون في الجزاء ضمير يعود عليه ، أو على ما أضيف إليه ، فالضمير في « يُضْلِلْهُ » و « يَجْعَلْهُ » إما أن يعود على المضاف المحذوف ، ويكون كقوله : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ « 4 » فالهاء في « يَغْشاهُ » تعود على المضاف ، أي : كذي ظلمات يغشاه ، وإمّا أن يعود على اسم الشرط . والأول ممتنع ، إذ يصير التقدير : إضلال من يشأ اللّه يضلله ، أي : يضل الإضلال ، وهو فاسد . والثاني أيضا ممتنع لخلو الجواب من ضمير يعود على المضاف إلى اسم الشرط . فإن قيل : يجوز أن يكون المعنى : من يشأ اللّه بالإضلال ، ويكون « مَنْ » مفعولا مقدما ، لأن شاء بمعنى أراد ، وأراد يتعدى بالباء ، قال : 1920 - أرادت عرارا بالهوان ، ومن يرد * عرارا - لعمري - بالهوان فقد ظلم « 5 » قيل : لا يلزم من كون « شاء » بمعنى أراد أن يتعدى تعديته ، ولذلك نجد اللفظ الواحد يختلف تعديته باختلاف متعلقه ، تقول : دخلت الدار ، ودخلت في الأمر ، ولا تقول : دخلت الأمر ، فإذا كان ذلك في اللفظ الواحد ، فما بالك بلفظين ، ولم يحفظ من العرب تعدية « شاء » وإن كانت في معنى أراد . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 40 ] قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) قوله : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآيات ( 18 - 171 ) . ( 2 ) انظر آية ( 38 ) و ( 97 ) من سورة البقرة . ( 3 ) انظر آية ( 15 ) من سورة النساء . ( 4 ) سورة النور ، آية ( 40 ) . ( 5 ) تقدم .