أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
52
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثالث : أنه مرفوع نسقا على الموصول قبله ، والمراد ب « الْمَوْتى » الكفار ، أي : إنّما يستجيب المؤمنون السامعون من أول وهلة ، والكافرون الذين يحييهم اللّه بالإيمان ، ويوفقهم له ، وعلى هذا فتكون الجملة من قوله : « يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ » في محل نصب على الحال ، إلّا أن هذا القول يبعده قوله تعالى : ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ، إلّا أن يكون من ترشيح المجاز ، وتقدمت له نظائر . وقرىء « 1 » : « يُرْجَعُونَ » من رجع اللازم . قوله : مِنْ رَبِّهِ . فيها وجهان : أحدهما : أنها متعلقة ب « نُزِّلَ » . والثاني : أنها متعلقة بمحذوف ، لأنها صفة ل « آيَةٌ » ، أي : آية كائنة من ربه . وتقدم الكلام على « لَوْ لا » وأنها تحضيضية . قوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ . « مِنْ » زائدة لوجود الشرطين ، وهي مبتدأ ، و إِلَّا أُمَمٌ خبرها مع ما عطف عليها . وقوله : « فِي الْأَرْضِ » صفة ل « دَابَّةٍ » ، فيجوز لك أن تجعلها في محل جر باعتبار اللفظ ، وأن تجعلها في محل رفع باعتبار الموضع . قوله : وَلا طائِرٍ الجمهور على جره نسقا على لفظ « دَابَّةٍ » ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه نسقا على موضعها . وقرأ ابن عباس : « ولا طير » من غير ألف ، وقد تقدم الكلام فيه هل هو جمع أو اسم جمع . وقوله : « يَطِيرُ » في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون في محل جر باعتبار لفظه ، ويحتمل أن يكون في محل رفع باعتبار موضعه ، وأما على قراءة ابن أبي عبلة : ففي محل رفع ليس إلا . وفي قوله : « وَلا طائِرٍ » ذكر خاص بعد عام ، لأن الدابّة تشمل كل ما دب من طائر وغيره ، فهو كقوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ « 2 » ، وفيه نظر إذ المقابلة هنا تنفي أن تكون الدابة تشمل الطائر . قوله : بِجَناحَيْهِ فيه قولان : أحدهما : أن الباء متعلقة ب « يَطِيرُ » ، وتكون الباء للاستعانة . والثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها حال ، وهي حال مؤكدة ، وفيها رفع مجاز يتوهم ، لأن الطيران يستعار في السرعة ، قال : 1919 - قوم إذا الشّرّ أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا « 3 » ويطلق « الطير » على العمل ، قال تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ « 4 » . وقوله : إِلَّا أُمَمٌ خبر المبتدأ ، وجمع وإن لم يتقدمه إلا شيئان ، لأن المراد بهما الجنس . و أَمْثالُكُمْ صفة ل « أُمَمٌ » يعني : أمثالهم في الأرزاق والآجال والموت والحياة ، والحشر والاقتصاص لمظلومها من ظالمها ، وقيل : في معرفة اللّه
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 118 ) ، روح المعاني ( 7 / 147 ) . ( 2 ) آية ( 98 ) من سورة البقرة . ( 3 ) البيت لقريظ بن أنيف العنبري انظر الخصائص ( 2 / 270 ) ، شرح الخماسة ( 1 / 27 ) ، مجالس ثعلب ( 2 / 405 ) ، روح المعاني ( 7 / 143 ) ، زرافات جمع زرافة ، وهي الجماعة من الناس ، المعنى أنه يقول هؤلاء قوم إذا ظهر الشر لهم أقبلوا عليه جماعات ووحدانا . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 13 ) .