أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
508
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الخامس : أن « التَّائِبُونَ » بدل من الضمير المستتر في « يقاتلون » . ولم يذكر لهذه الأوصاف متعلّقا ، فلم يقل : التائبون من كذا للّه ، ولا العابدون للّه ، لفهم ذلك ، إلّا صفتي الأمر والنهي ، مبالغة في ذلك . ولم يأت بعاطف بين هذه الأوصاف ، لمناسبتها لبعضها ، إلّا في صفتي الأمر والنهي ، لتباين ما بينهما ، فإنّ الأمر طلب فعل ، والنهي طلب ترك ، أو كف . وكذا « الْحافِظُونَ » عطفه ، وذكر متعلّقه . وأتى بترتيب هذه الصفات في الذكر على أحسن نظم . وهو ظاهر بالتأمل ، فإنه قدم التوبة أولا ، ثم ثنّى بالعبادة إلى آخرها . وقيل : إنما دخلت « الواو » ، لأنها « واو » الثمانية ، كقوله : وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ « 1 » ، وقوله : وَفُتِحَتْ أَبْوابُها لما كان للجنة ثمانية أبواب أتى معها بالواو ، . وقال أبو البقاء : « إنّما دخلت « الواو » في الصفة الثامنة ، إيذانا بأن السبعة عندهم عدد تام ، ولذلك قالوا : سبع في ثمانية ، أي : سبع أذرع في ثمانية أشبار ، وإنّما دلّت « الواو » على ذلك ، لأن « الواو » تؤذن بأن ما بعدها غير ما قبلها ، ولذلك دخلت في باب عطف النسق : قلت : وهذا قول ضعيف جدا ، لا تحقيق له . قوله : وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى : كقوله : « أعطوا السّائل ، ولو على فرس » ، وقد تقدم ما في ذلك ، وأنّها حال معطوفة على حال مقدرة . قوله : وَعَدَها إِيَّاهُ : اختلف في الضمير المرفوع ، والمنصوب المنفصل ، فقيل ؛ وهو الظاهر - : إنّ المرفوع يعود على « إِبْراهِيمَ » ، والمنصوب على « أبيه » ، يعني أن إبراهيم كان وعد أباه أن يستغفر له ، ويؤيد هذا قراءة الحسن وحمّاد الرّاوية ، وابن السّميفع ، وأبي نهيك ، ومعاذ القارئ « وعدها أباه » بالباء الموحدة . وقيل : المرفوع لأبي « إِبْراهِيمَ » ، والمنصوب ل « إِبْراهِيمَ » . وفي التفسير أنه كان وعد إبراهيم أنه يؤمن ، فلذلك طمع في إيمانه . و « الأوّاه » : الكثير التّأوّه ، وهو من يقول : أوّاه . وقيل : من يقول : أوّه ، وهو أنسب ، لأن « أوّه » بمعنى : أتوجّع ، ف « الأوّاه » : فعّال مثال مبالغة من ذلك ، وقياس فعله أن يكون ثلاثيا ، لأن أمثلة المبالغة إنما تطرد في الثلاثي ، وقد حكى قطرب فعله ثلاثيا ، فقال : « يقال : آه يؤوه ، ك « قام يقوم « أوها » . وأنكر النحويون هذا القول على قطرب ، وقالوا : « لا يقال من « أوّه » بمعنى : أتوجّع ، فعل ثلاثي ، إنما يقال : أوّه تأويها ، وتأوّه تأوّها . قال الراجز : 2566 - فأوّه الرّاعي وضوضى أكلبه « 2 » وقال المثقّب العبديّ : 2567 - إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوّه آهة الرّجل الحزين وقال الزمخشري : « أوّاه » : فعّال ، من : أوّه ، ك « لآل » من « اللّؤلؤ » ، وهو الذي يكثر التّأوّه . قال الشيخ « 3 » : وتسميته « أوّاه » من « أوّه » ك « لآل » من اللّؤلؤ ليس بجيد ، لأن مادة « أوّه » موجودة في صورة
--> ( 1 ) سورة الكهف آية ( 22 ) . ( 2 ) انظر البيت في البحر المحيط ( 5 / 88 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 106 ) .