أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
507
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الوعد بالجنة هذه الأمة مذكورا في كتب اللّه المنزلة . وقال الزمخشريّ - في أثناء الكلام - : « لا يجوز عليه قبيح قط » . قال الشيخ : « استعمل » قط في غير موضعه ، لأنه أتى به مع قوله : « لا يجوز عليه » ، و « قط » ظرف ماض ، فلا يعمل فيه إلّا الماضي . قلت : ليس المراد هنا زمنا بعينه . وقوله : فَاسْتَبْشِرُوا فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ، لأن في خطابهم بذلك تشريفا لهم . و « استفعل » هنا ليس للطلب ، بل بمعنى « أفعل » ، ك « استوقد وأوقد » . وقوله : « الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ » توكيد ، كقوله : « الَّذِي بَنَوْا » - لينصّ لهم على هذا البيع بعينه . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 112 إلى 117 ] التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 114 ) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 116 ) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) قوله : التَّائِبُونَ : فيه خمسة أوجه : أحدها : أنهم مبتدأ وخبره « الْعابِدُونَ » وما بعده أوصاف ، أو اخبار متعددة عند من يرى ذلك . الثاني : أن الخبر قوله « الْآمِرُونَ » . الثالث : أن الخبر محذوف ، أي : التائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة ، ويؤيده قوله : « وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ » ، وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة مما قبلها ، وليست شرطا في المجاهدة . وأما من زعم أنها شرط في المجاهدة ، ك « الضّحّاك » وغيره ، فيكون إعراب « التَّائِبُونَ » خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم التائبون ، وهذا من باب قطع النعوت ، وذلك أن هذه الأوصاف عند هؤلاء القائلين : من صفات المؤمنين في قوله تعالى : « مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » - ويؤيد ذلك قراءة أبيّ ، وابن مسعود ، والأعمش « التائبين » بالياء . ويجوز أن تكون هذه القراءة على القطع أيضا ، فيكون منصوبا بفعل مقدر ، وقد صرّح الزمخشريّ ، وابن عطية بأن « التائبين » في هذه القراءة نعت للمؤمنين .