أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
506
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : بُنْيانُهُمُ : يحتمل أن يكون مصدرا على حاله ، أي : لا يزال هذا الفعل الصادر منهم ، ويحتمل أن يكون مرادا به المبني ، وحينئذ يضطر إلى حذف مضاف ، أي : بناء بنيانهم ، لأن المبنى ليس ريبة ، أو يقدر الحذف من الثاني ، أي : لا يزال مبنيهم بسبب ريبة . وقوله : « الَّذِي بَنَوْا » تأكيد ، دفعا لوهم من يتوهم أنهم لم يبنوا حقيقة ، وإنما دبروا أمورا ، من قولهم : كم أبني وتهدم ، وعليه قوله : 2565 - متى يبلغ البنيان يوما تمامه * إذا كنت تبنيه ، وغيرك يهدم « 1 » قوله : إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ المستثنى منه محذوف ، والتقدير : لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلّا وقت تقطيع قلوبهم ، أو في كلّ حال إلّا حال تقطيعها . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وحفص « تَقَطَّعَ » بفتح التاء ، والأصل « تتقطّع » بتاءين ، فحذفت إحداهما . وقرأ الباقون « تقطّع » . بضمها ، وهو مبني للمفعول ، مضارع « قطّع » بالتشديد . وقرأ أبيّ « تقطع » مخففا من « قطّع » . وقرأ الحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، ويعقوب « إلى أن » ب « إلى » الجارة . وأبو حيوة كذلك ، وهي قراءة واضحة في المعنى ، إلا أنّ أبا حيوة قرأ « تقطّع » بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددة . والفاعل ضمير « الرسول » . « قلوبهم » نصبا على المفعول به ، والمعنى بذلك أنه يقتلهم ، ويتمكن منهم كلّ تمكن . وقيل : الفاعل ضمير « الرّيبة » ، أي : إلى أن تقطّع الرّيبة قلوبهم . وفي مصحف عبد اللّه « ولو قطّعت » ، وبها قرأ أصحابه ، وهي مخالفة لسواد مصاحف الناس . قوله : بِأَنَّ لَهُمُ : متعلّق ب « اشْتَرى » ، ودخلت الباء هنا على المتروك على بابها ، وسمّاها أبو البقاء « باء » المقابلة ، كقولهم : « باء » العوض ، و « باء » الثمينة . وقرأ عمر بن الخطاب « بالجنّة » . قوله : يُقاتِلُونَ يجوز أن يكون مستأنفا ، ويجوز أن يكون حالا . وقال الزمخشريّ : « يُقاتِلُونَ » فيه معنى الأمر ، كقوله تعالى : « تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ « 2 » » قلت : وعلى هذا فيتعين الاستئناف ، لأن الطلب لا يقع حالا . وقد تقدم الخلاف في فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ في آل عمران « 3 » . قوله : « وَعْداً » منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة ، لأن معنى « اشْتَرى » معنى : وعدهم بذلك ، فهو نظير : « هذا ابني حقّا » . ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال ، وفيه ضعف . و « حَقًّا » نعت له . و « عَلَيْهِ » حال من « حَقًّا » ، لأنه في الأصل صفة لو تأخر . قوله : فِي التَّوْراةِ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلّق ب « اشْتَرى » ، وعلى هذا فتكون كلّ أمة قد أمرت بالجهاد ، ووعدت عليه الجنة . والثاني : أنه متعلّق بمحذوف ، لأنه صفة للوعد ، أي : وعدا مذكورا وكائنا في التوراة . وعلى هذا فيكون
--> ( 1 ) انظر البيت في روح المعاني ( 11 / 24 ) . ( 2 ) سورة الصف آية ( 11 ) . ( 3 ) انظر آية رقم ( 21 ) .