أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
503
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ينتصب على المصدرية ، أي : يصرون بذلك غيرهم ضرارا . ومتعلقات هذه المصادر محذوفة ، أي : ضرارا لإخوانهم ، وكفرا باللّه . قوله : مِنْ قَبْلُ فيه وجهان : أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشري غيره - : أنه متعلّق بقوله : « اتَّخَذُوا » ، أي : اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء . الثاني : أنه متعلّق ب « حارَبَ » ، أي : حارب من قبل اتخاذ هذا المسجد . قوله : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا « لَيَحْلِفُنَّ » جواب قسم مقدر ، أي : واللّه ليحلفنّ . وقوله : « إِنْ أَرَدْنا » جواب لقوله : « لَيَحْلِفُنَّ » ، فوقع جواب القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله : « إِنْ أَرَدْنا » . و « إِنْ » نافية ، ولذلك وقع بعدها « إِلَّا » . و « الْحُسْنى » صفة لموصوف محذوف ، أي : إلا الخصلة الحسنى ، أو إلّا الإرادة الحسنى . وقال الزمخشريّ : « ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى ، أو إلّا الإرادة الحسنى ، وهي الصلاة » . قال الشيخ « 1 » : كأنه في قوله : « إلّا الخصلة الحسنى » جعله مفعولا ، وفي قوله « أو إلّا الإرادة الحسنى » جعله علة ، فكأنه ضمن « أراد » معنى « قصد » ، أي : ما قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلا الإرادة الحسنى . قال : « وهذا وجه متكلف » . قوله : . . . لَمَسْجِدٌ . . . . فيه وجهان : أحدهما : أنها لام الابتداء . والثاني : أنها جواب قسم محذوف ، وعلى التقديرين فيكون « لَمَسْجِدٌ » مبتدأ ، و « أُسِّسَ » في محل رفع نعتا له ، و « أَحَقُّ » خبره . والقائم مقام الفاعل ضمير المسجد على حذف مضاف ، أي : أسّس بنيانه . « مِنْ أَوَّلِ » متعلق به ، وبه استدل الكوفيون على أن « مِنْ » تكون لابتداء الغاية في الزمان ، واستدلوا أيضا بقوله : 2562 - من الصّبح حتّى تطلع الشّمس لا ترى * من القوم إلّا خارجيّا مسوّما « 1 » وقول الآخر : 2563 - تخيّرن من أزمان يوم حليمة * إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب « 2 » وقد تأوله البصريون على حذف مضاف ، أي : من تأسيس أوّل يوم ، ومن طلوع الصّبح ، ومن مجيء أزمان يوم . قال أبو البقاء : « وهذا ضعيف ، لأن التأسيس المقدر ليس بمكان ، حتى تكون لابتداء غايته » . ويدل على جواز ذلك قوله : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ، وَمِنْ بَعْدُ ، وهو كثير في القرآن وغيره . قلت : البصريون إنّما فروا من كونها لابتداء الغاية في الزمان ، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنها لا تكون إلا لابتداء الغاية في المكان ، حتى يردّ عليهم بما ذكر . والخلاف في هذه المسألة قوي ، ولأبي علي فيها كلام طويل . وقال ابن عطية : « ويحسن عندي أن يستغنى عن تقدير ، وأن تكون « مِنْ » تجر لفظة « أَوَّلِ » ، لأنها بمعنى البداءة ، كأنه قال : من مبتدأ الأيام ، وقد حكي لي هذا
--> ( 1 ) انظر شرح المفضليات ( 1 / 215 ) المقرب ( 1 / 198 ) أمالي ابن الشجري ( 2 / 253 ) الخزانة ( 3 / 323 ) . ( 2 ) البيت للنابغة انظر ديوان ( 11 ) المغنى ( 1 / 319 ) الأشموني ( 2 / 211 ) التصريح ( 2 / 8 ) .