أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

500

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والضبط بالشكل ، فكيف يقال هذا ؟ [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 103 إلى 106 ] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) قوله : وَآخَرُونَ : نسق على « مُنافِقُونَ » - أي : وممّن حولكم آخرون ، أو من أهل المدينة آخرون . يجوز أن يكون مبتدأ ، و « اعْتَرَفُوا » صفته ، والخبر قوله : « خَلَطُوا » . قوله : « وَآخَرَ » نسق على « عَمَلًا » . قال الزمخشري : « فإن قلت : قد حصل كل واحد منهما مخلوطا ، فما المخلوط به ؟ قلت : كل واحد مخلوط ومخلوط به ، لأن المعنى : خلط كل واحد منهما بالآخر ، كقولك : خلطت الماء واللبن ، تريد : خلطت كل واحد منهما بصاحبه . وفيه ما ليس في قولك : خلطت الماء باللبن ، لأنك جعلت الماء مخلوطا ، واللبن مخلوطا به ، وإذا قلته بالواو جعلت الماء باللبن مخلوطين ، ومخلوطا بهما ، كأنك قلت : خلطت الماء باللبن ، واللبن بالماء . ثم قال : « ويجوز أن يكون من قولهم : بعت الشاء شاة ودرهما ، بمعنى : شاة بدرهم » . قلت : لا يريد أن الواو بمعنى الباء ، وإنما هذا تفسير معنى . وقال أبو البقاء : « ولو كان بالباء جاز أن تقول : خلطت الحنطة والشعير ، وخلطت الحنطة » . قوله : « عَسَى اللَّهُ » يجوز أن تكون الجملة مستأنفة ، ويجوز أن تكون في محل رفع « خبرا ل « آخَرُونَ » ، ويكون قوله « خَلَطُوا » في محل نصب على الحال ، و « قد » معه مقدرة ، أي : قد خلطوا . فتلخص في « آخَرُونَ » أنه معطوف على « مُنافِقُونَ » - أو مبتدأ مخبر عنه ب « خَلَطُوا » ، أو بالجملة الرجائية . : مِنْ أَمْوالِهِمْ : يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « خُذْ » ، و « مِنْ » تبعيضية . والثاني : أن يتعلق بمحذوف ، لأنها حال من « صَدَقَةً » ، إذ هي في الأصل صفة لها ، فلما قدمت نصبت حالا . قوله : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ يجوز أن تكون التاء في « تُطَهِّرُهُمْ » خطابا للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأن تكون للغيبة . والفاعل ضمير « الصدقة » . فعلى الأول تكون الجملة في محل نصب على الحال من فاعل « خُذْ » . ويجوز أيضا أن تكون صفة ل « صَدَقَةً » ، ولا بد حينئذ من حذف عائد ، تقديره : تطهّرهم بها ، وحذف « بِها » ، لدلالة ما بعده عليه . وعلى الثاني تكون الجملة صفة ل « صَدَقَةً » ليس إلّا . وأما « وَتُزَكِّيهِمْ » فالتاء فيه للخطاب لا غير ، لقوله : « بِها » ، فإن الضمير يعود على « الصدقة » فاستحال أن يعود الضمير من « تُزَكِّيهِمْ » إلى « الصدقة » . وعلى هذا فتكون الجملة حالا من فاعل « خُذْ » على قولنا : « إنّ تطهّرهم » حال منه ، وإنّ التاء فيه للخطاب . ويجوز أيضا أن تكون صفة ، إن قلنا : إنّ « تُطَهِّرُهُمْ » صفة ، والعائد منها محذوف . وجوز مكي أن يكون « تُطَهِّرُهُمْ » صفة ل « صَدَقَةً » ، على أن التاء للغيبة ، وتزكّيهم حالا من فاعل « خُذْ » ، على أن التاء للخطاب . « وقد ردّوه » عليه بأن الواو عاطفة ، أي : صدقة مطهّرة ، ومزكّيا بها ، ولو كان بغير « واو » جاز . قلت : ووجه الفساد ظاهر ، فإنّ « الواو » مشركة لفظا ومعنى ، فلو كانت « وَتُزَكِّيهِمْ » عطفا على « تُطَهِّرُهُمْ » للزم أن يكون صفة كالمعطوف عليه ، إذ لا يجوز اختلافهما ، ولكن يجوز ذلك على أن « تُزَكِّيهِمْ » خبر مبتدأ محذوف ، وتكون « الواو » للحال ، تقديره : وأنت