أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

499

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ « 1 » : « إن عنى في مطلق حذف الموصوف فحسن ، وإن كان شبّهه به في خصوصيته فليس بحسن ؛ لأن حذف الموصوف مع « مِنَ » مطرد ، وقوله : « أنا ابن جلا » ضرورة كقوله : 2558 - يرمي بكفّي كان من أرمى البشر « 2 » * . . . قلت : البيت المشار إليه هو قوله : 2559 - أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا * متى أضع العمامة تعرفوني « 3 » وللنحاة في هذا البيت تأويلات : أحدها : ما تقدم . والآخر : أن هذه الجملة محكية لأنها قد سمّي بها هذا الرجل ، فإنّ « جلا » فيه ضمير فاعل ، ثم سمّي بها وحكيت كما قالوا : « شاب قرناها » و « ذرّى حبّا » وقوله : 2560 - نبّئت أخوالي بني يزيد * ظلما علينا لهم فديد « 4 » والثالث : وهو مذهب عيسى بن عمر أنه فعل فارغ من الضمير ، وإنما لم ينوّن لأنه عنده غير منصرف فإنه يمنع بوزن الفعل المشترك ، فلو سمّي بضرب وقتل منعهما . أمّا مجرد الوزن من غير نقل من فعل فلا يمنع به البتة نحو جمل وجبل . و مَرَدُوا أي : مهروا وتمرّنوا . وقد تقدم الكلام على هذه المادة في النساء عند قوله : شَيْطاناً مَرِيداً . قوله : لا تَعْلَمُهُمْ هذه الجملة في محلّ رفع أيضا صفة ل « مُنافِقُونَ » ويجوز أن تكون مستأنفة ، والعلم هنا يحتمل أن يكون على بابه فيتعدّى لاثنين أي : لا نعلمهم منافقين ، فحذف الثاني للدلالة عليه بتقدّم ذكر المنافقين ، ولأن النفاق من صفات القلب لا يطّلع عليه . وأن تكون العرفانية فتتعدّى لواحد ، قاله أبو البقاء . وأمّا « نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ » فلا يجوز أن تكون إلا على بابها ، لبحث ذكرته لك في الأنفال ، وإن كان الفارسي في إيضاحه صرّح بإسناد المعرفة إليه تعالى ، وهو محذور لما عرفته . وقوله : « مَرَّتَيْنِ » قد تقدم الكلام في نصب مرة » وأنه من وجهين ، إما المصدرية ، وإمّا الظرفية ، فكذلك هذا . وهذه التثنية يحتمل أن يكون المراد بها شفع الواحد ، وعليه الأكثر ، واختلفوا في تفسيرهما ، وألّا يراد بها التثنية الحقيقية ، بل يراد بها التكثير ، كقوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ، أي : كرّات ، بدليل قوله : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ، أي : مزدجرا ، وهو كليل ، ولا يصيبه ذلك إلّا بعد كرّات ، ومثله « لبّيك وسعديك ، وحدانيك » . وروى عياش عن أبي عمرو « سيعذّبهم » بسكون الباء ، وهو على عادته في تخفيف توالي الحركات ك « ينصركم » وبابه ، وإن كان باب « ينصركم » أحسن تسكينا ، لكون الراء حرف تكرار ، فكأنه توالى ضمتان ، بخلاف غيره ، وقد تقدم تحرير هذا . وقال الشيخ « 5 » : « وفي مصحف أنس « سيعذّبهم » بالياء . وقد تقدم أن المصاحف كانت مهملة من النقط

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 93 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم قريبا . ( 4 ) البيت قيل لرؤبة وقيل : لغيره انظر ملحقات ديوانه ( 172 ) شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 28 ) التصريح ( 1 / 117 ) الأشموني ( 1 / 132 ) المعنى ( 2 / 626 ) الخزانة ( 1 / 270 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 94 ) .