أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
497
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
القربات عند اللّه « وَصَلَواتِ الرَّسُولِ » لأنه كان يدعو للمتصدّقين بالخير كقوله : « اللهم صل على آل أبي أوفى » « 1 » . والثاني : - وجوّزه ابن عطية ، ولم يذكر أبو البقاء غيره - أنها منسوقة على « ما يُنْفِقُ » ، أي : ويتخذ بالأعمال الصالحة وصلوات الرسول قربة . قوله : أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ الضمير في « إِنَّها » . قيل : عائد على « صَلَواتِ » وقيل : على النفقات أي المفهومة من « يُنْفِقُونَ » * . وقرأ ورش « قربة » بضم الراء ، والباقون بسكونها فقيل : لغتان . وقيل : الأصل السكون والضمة اتباع ، وهذا قد تقدم « 2 » لك فيه خلاف بين أهل التصريف : هل يجوز تثقيل فعل إلى فعل ؟ وأن بعضهم جعل عسرا يسرا بضم السين فرعين على سكونها . وقيل : الأصل قربة بالضم ، والسكون تخفيف ، وهذا أجرى على لغة العرب إذ مبناها الهرب من الثّقل إلى الخفة . وفي استئناف هذه الجملة وتصدّرها بحرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكّنه شهادة من اللّه بصحة ما اعتقده من إنفاقه ، قال معناه الزمخشري قال : « وكذلك سيدخلهم ، وما في السين من تحقيق الوعد » . قوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ : فيه وجهان ، أظهرهما : أنه مبتدأ ، وفي خبره ثلاثة أوجه : أحدها : - وهو الظاهر - أنه الجملة الدعائية من قوله : « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » . والثاني : أن الخبر قوله : « الْأَوَّلُونَ » والمعنى : والسابقون أي بالهجرة [ هم ] الأوّلون من أهل هذه الملّة ، أو السابقون إلى الجنة الأولون من أهل الهجرة . الثالث : أن الخبر قوله : « مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ » والمعنى فيه الإعلام بأن السّابقين من هذه الأمة من المهاجرين والأنصار . ذكر ذلك أبو البقاء ، وفي الوجهين الأخيرين تكلّف . الثاني من وجهي « السابقين » : أن يكون نسقا على « مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ » أي : ومنهم السابقون . وفيه بعد . والجمهور على جرّ « الْأَنْصارِ » نسقا على المهاجرين . يعني أن السابقين من هذين الجنسين . وقرأ جماعة كثيرة أجلّاء : عمر بن الخطاب وقتادة والحسن وسلام وسعيد بن أبي سعيد وعسى الكوفي وطلحة ويعقوب : « والأنصار » برفعها . وفيه وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ ، وخبره « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » . والثاني : عطف على « السَّابِقُونَ » . وقد تقدم ما فيه فيحكم عليه بحكمه . قوله : بِإِحْسانٍ متعلق بمحذوف ؛ لأنه حال من فاعل « اتَّبَعُوهُمْ » . وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يرى أن الواو ساقطة من قوله : « وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ » ويقول : إن الموصول صفة لمن قبله ، حتى قال له زيد بن ثابت إنها بالواو فقال : ائتوني بأبيّ . فأتوه به فقال له : تصديق ذلك في كتاب اللّه في أول الجمعة : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 93 ) . ( 2 ) سورة البقرة آية ( 185 ) .