أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

493

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« قُلْتَ » يكون جوابه قوله « تَوَلَّوْا » ، وقوله « لِتَحْمِلَهُمْ » علة ل « أَتَوْكَ » . وقوله « لا أَجِدُ » هي المتعدية لواحد لأنها من الوجد . و « ما » يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة . قوله : وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ في محلّ نصب على الحال من فاعل « تَوَلَّوْا » ، قال الزمخشري : « تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ » كقولك : تفيض دمعا ، وقد تقدّم هذا في المائدة مستوفى عند قوله : تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ وأنه جعل « مِنَ الدَّمْعِ » تمييزا ، و « مِنَ » مزيدة ، وتقدّم الردّ عليه في ذلك هناك فعليك بالإلتفات إليه . قوله : حَزَناً في نصبه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله والعامل فيه « تَفِيضُ » قاله الشيخ . لا يقال إن الفاعل هنا قد اختلف ، فإن الفيض مسند للأعين والحزن صادر من أصحاب الأعين ، وإذا اختلف الفاعل وجب جرّه بالحرف لأنّا نقول : إن الحزن يسند للأعين أيضا مجازا يقال : عين حزينة وسخينة ، وعين مسرورة وقريرة في ضدّ ذلك . ويجوز أن يكون الناصب له « تَوَلَّوْا » وحينئذ يتحد فاعلا العلة والمعلول حقيقة . الثاني : أنه في محلّ نصب على الحال ، أي : تولّوا حزينين أو تفيض أعينهم حزينة على ما تقدّم من المجاز . الثالث : أنه مصدر ناصبه مقدر من لفظه ، أي : يحزنون حزنا قاله أبو البقاء . وهذه الجملة التي قدّرها ناصبة لهذا المصدر هي أيضا في محلّ نصب على الحال : إمّا من فاعل « تَوَلَّوْا » وإمّا من فاعل « تَفِيضُ » . قوله : أن لا يجدوا فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول من أجله ، والعامل فيه « حَزَناً » إن أعربناه مفعولا له أو حالا ، وأمّا إذا أعربناه مصدرا فلا ، لأن المصدر لا يعمل إذا كان مؤكدا لعامله ، وعلى القول بأنّ « حَزَناً » مفعول من أجله يكون « أن لا يجدوا » علة العلة ، يعني أنه يكون علّل فيض الدمع بالحزن ، وعلّل الحزن بعدم وجدان النفقة ، وهذا واضح ، وقد تقدّم لك نظير ذلك في قوله : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ « 1 » . والثاني : أنه متعلق ب « تَفِيضُ » . قال الشيخ « 2 » : « قال أبو البقاء : « ويجوز أن يتعلّق ب « تَفِيضُ » . ثم قال الشيخ : « ولا يجوز ذلك على إعرابه « حَزَناً » مفعولا له ، والعامل فيه « تَفِيضُ » ، إذ العامل لا يقتضي اثنين من المفعول له إلا بالعطف أو البدل » . قوله تعالى : رَضُوا : فيه وجهان : أحدهما : أنه مستأنف كأنه قال قائل : ما بالهم استأذنوا في القعود وهم قادرون على الجهاد ؟ فأجيب بقوله : « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ » . وإليه مال الزمخشري . والثاني : أنه في محل نصب على الحال و « قد » مقدرة في قوله « رَضُوا » . وقوله : وَطَبَعَ نسق على « رَضُوا » تنبيها على أن السبب في تخلّفهم رضاهم بقعودهم وطبع اللّه على قلوبهم .

--> ( 1 ) سورة المائدة آية ( 38 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 86 ) .