أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
492
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
داخلين في خبر ليس ، مخبرا بمتعلقهم عن اسمها وهو « حَرَجٌ » . الثاني : أن يكون معطوفا على « الْمُحْسِنِينَ » فيكونون داخلين فيما أخبر به عن قوله « مِنْ سَبِيلٍ » ، فإنّ « مِنْ سَبِيلٍ » يحتمل أن يكون مبتدأ ، وأن يكون اسم « ما » الحجازية ، و « مِنَ » مزيدة في الوجهين . الثالث : أن يكون « وَلا عَلَى الَّذِينَ » خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخر الصلة حرج أو سبيل ، وحذف لدلالة الكلام عليه ، قاله أبو البقاء ، ولا حاجة إليه لأنه تقدير مستغنى عنه ، إذ قد قدّر شيئا يقوم مقامه هذا الموجود في اللفظ والمعنى . وهذا الموصول يحتمل أن يكون مندرجا في قوله : « وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ » وذكروا على سبيل نفي الحرج عنهم وأن لا يكونوا مندرجين ، بأن يكون هؤلاء وجدوا ما ينفقون ، إلا أنهم لم يجدوا مركوبا . وقرأ معقل بن هارون « لنحملهم » بنون العظمة . وفيها إشكال ، إذا كان مقتضى التركيب : قلت لا أجد ما يحملكم عليه اللّه . قوله : « قُلْتَ » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه جواب « إِذا » الشرطية ، و « إِذا » ، وجوابها في موضع الصلة ، وقعت الصلة جملة شرطية ، وعلى هذا فيكون قوله « تَوَلَّوْا » جوابا لسؤال مقدر ، كأن قائلا قال : « ما كان حالهم إذ أجيبوا بهذا الجواب ؟ فأجيب بقوله « تَوَلَّوْا » . الثاني : أنه في موضع نصب على الحال من كاف « أَتَوْكَ » ، أي : إذا أتوك وأنت قائل : لا أجد ما أحملكم عليه ، و « قد » مقدرة عند من يشترط ذلك في الماضي الواقع حالا كقوله : أو جاءوكم حصرت صدورهم » في أحد أوجهه ، كما تقدم تحقيقه ، وإلى هذا نحا الزمخشري . الثالث : أن يكون معطوفا على الشرط ، فيكون في محلّ جر بإضافة الظرف إليه بطريق النّسق ، وحذف حرف العطف ، والتقدير : وقلت . وقد تقدم لك كلام في هذه المسألة وما استشهد الناس به عليها . وإلى هذا ذهب الجرجانيّ ، وتبعه ابن عطية ، إلا أنه قدّر العاطف فاء ، أي : فقلت . الرابع : أن يكون مستأنفا . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل يجوز أن يكون قوله « قُلْتَ لا أَجِدُ » استئنافا مثله » يعني مثل « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ » كأنه قيل : إذا ما أتوك لتحملهم تولّوا ، فقيل : ما لهم تولّوا باكين فقيل قلت : لا أجد ما أحملكم عليه ، إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض . قلت : نعم ويحسن » انتهى . قال الشيخ « 1 » : « ولا يجوز ولا يحسن في كلام العرب فكيف في كلام اللّه ؟ وهو فهم أعجميّ » . قلت : وما أدري ما سبب منعه وعدم استحسانه له مع وضوحه وظهوره لفظا ومعنى ؟ وذلك لأن تولّيهم على حاله ، فيصير الدمع ليس مترتبا على مجرد مجيئهم له عليه السّلام ليحملهم ، بل على قوله لهم : « لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ » ، وإذا كان كذلك فقوله عليه السّلام لهم ذلك سبب في بكائهم ، فحسن أن يجعل قوله « قُلْتَ : لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ » جوابا لمن سأل عن علة تولّيهم وأعينهم فائضة دمعا ، وهو المعنى الذي قصده أبو القاسم . وعلى هذه الأوجه الثلاثة التي قدّمتها في
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 86 ) .