أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

480

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وأيضا فإنّ الفاء تمانع البدل ، وأيضا فهي في معنى آخر غير البدل فيقلق البدل » . وقال بعضهم : « فيجب على تقدير اللام أي : فلأنّ له نار جهنم وعلى هذا فلا بد من إضمار شيء يتمّ به جواب الشرط تقديره : فمحادّته لأنّ له نار جهنم » . وهذه كلّها تكلّفات لا يحتاج إليها ، فالأولى ما تقدم ما ذكره : وهو أن يكون « أنّ له نار جهنم » في محلّ رفع بالابتداء والخبر محذوف ، وينبغي أن تقدّره متقدما عليها كما فعل الزمخشري وغيره أي : فحقّ أنّ له نار جهنم . وقدّره غيره متأخرا أي : فأنّ له نار جهنم واجب . كذا قدّره الأخفش . وردّوه عليه بأنها لا يبتدأ بها ، وهذا لا يلزمه فإنه يجيز الابتداء ب « أنّ » المفتوحة من غير تقديم خبر ، وغيره لا يجيز الابتداء بها إلا بشرط تقدّم « أمّا » نحو : « أمّا أنك ذاهب فعندي » أو بشرط تقدّم الخبر نحو : « عندي أنّك منطلق » . وقيل : « فَأَنَّ لَهُ » خبر مبتدأ محذوف أي : فالواجب أنّ له . وهذه الجملة التي بعد الفاء مع الفاء في محلّ جزم جوابا للشرط . وقرأ أبو عمرو - فيما رواه أبو عبيدة - والحسن وابن أبي عبلة « فإنّ » بالكسر وهي قراءة حسنة قوية ، تقدّم أنه قرأ [ بها ] بعض السبعة في الأنعام ، وتقدّم هناك توجيهها . والمحادّة : المخالفة والمعاندة ومجاوزة الحدّ والمعاداة . قيل : مشتقة من الحدّ وهو حدّ السلاح الذي يحارب به من الحديد . وقيل : من الحدّ الذي هو الجهة كأنه في حدّ غير حدّ صاحبه كقولهم : شاقّه أي : كان في شق غير شقّ صاحبه . وعاداه : أي كان في عدوة غير عدوته . واختار بعضهم قراءة الكسر بأنها لا تحوج إلى إضمار ، ولم يرو قوله : 2529 - فمن يك سائلا عني فإني * وجروة لا تعار ولا تباع « 1 » إلا بالكسر ، وهذا غير لازم فإنه جاء على أحد الجائزين . و « خالِداً » نصب على الحال . قوله تعالى : أَنْ تُنَزَّلَ : مفعول به ناصبه يحذر ، فإن « يَحْذَرُ » متعدّ بنفسه لقوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ * لولا أنه متعدّ في الأصل لواحد لما اكتسب بالتضعيف مفعولا ثانيا ، ويدلّ عليه أيضا ما أنشده سيبويه : 2530 - حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس منجيه من الأقدار « 2 » وفي البيت كلام ، قيل : إنه مصنوع ، وهو فاسد أتقنت حكايته في « شرح التسهيل » وقال المبرد : « إنّ » حذر لا يتعدى قال : لأنه من هيئات النفس كفزع ، وهذا غير لازم فإنّ لنا من هيئات النفس ما هو متعد كخاف وخشي فإنّ « تُنَزَّلَ » عند المبرد على إسقاط الخافض أي : من أن تنزّل . وقوله : تُنَبِّئُهُمْ في موضع الرفع صفة ل « سُورَةٌ » . قوله تعالى : أَ بِاللَّهِ : متعلق بقوله : « تَسْتَهْزِؤُنَ » و « تَسْتَهْزِؤُنَ » خبر كان . وفيه دليل على تقديم خبر كان عليها ، لأنّ تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل ، وقد تقدم معمول الخبر على « كان » فليجز تقديمه بطريق الأولى . وفيه بحث : وذلك أن ابن مالك قدح في هذا الدليل بقوله تعالى : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ قال :

--> ( 1 ) البيت لعنزة بن شداد انظر الديوان ( 45 ) مجاز القرآن 1 / 243 الكتاب 1 / 302 اللسان ( جرا ) . ( 2 ) البيت لأبان بن عبد الحميد اللاحقي انظر ابن يعيش 6 / 71 المقتضب 2 / 115 .