أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

48

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يَقُولُونَ » فاعل ، وعائده محذوف ، أي : الذي يقولونه من نسبتهم إلى ما لا يليق به ، والضمير في « أنه » ضمير الشأن والحديث ، والجملة بعده خبره مفسرة له ، ولا يجوز في هذا المضارع أن يقدر باسم فاعل رافع لفاعل ، كما يقدر في قولك : إنّ زيدا يقوم أبوه ، لئلا يلزم تفسير ضمير الشأن بمفرد ، وقد تقدم أنه ممنوع عند البصريين . قوله : « لا يُكَذِّبُونَكَ » قرأ نافع والكسائي « لا يكذبونك » مخففا من الكذب ، والباقون مثقلا من « كذّب » ، وهي قراءة علي ، وابن عباس . واختلف الناس في ذلك فقيل : هما بمعنى واحد مثل : أكثر وكثّر ، وأنزل ونزّل ، وقيل بينهما فرق ، قال الكسائي : العرب تقول كذّبت الرجل - بالتشديد - إذا نسبت الكذب إليه ، وأكذبته ، إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به ، دون أن تنسبه إليه ، ويقولون أيضا : أكذبت الرجل ، إذا وجدته كاذبا ، كأحمدته ، إذا وجدته محمودا فمعنى « لا يكذبونك » - مخففا - لا ينسبون الكذب إليك ، ولا يجدونك كاذبا ، وهو واضح . وأما التشديد فيكون خبرا محضا عن عدم تكذيبهم إياه . فإن قيل : هذا محال ، لأن بعضهم قد وجد منه تكذيب ضرورة . فالجواب : أن هذا وإن كان منسوبا إلى جميعهم ، أعني : عدم التكذيب ، فهو إنما يراد به بعضهم مجازا ، كقوله : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ « 1 » ، كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ « 2 » وإن كان فيهم من لم يكذبه ، عام يراد به الخاص . والثاني : أنه نفى التكذيب لانتفاء ما يترتب عليه من المضار ، فكأنه قيل : فإنهم لا يكذبونك تكذيبا تبالي به ويضرك ، لأنك لست بكاذب ، فتكذيبهم كلا تكذيب ، فهو من نفي السبب لانتفاء مسببه » . وقال الزمخشري : « والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى اللّه ، لأنك رسوله المصدق ، فهم لا يكذبونك في الحقيقة ، إنما يكذبون اللّه بجحود آياته فانته عن حزنك ، كقول السيد لغلامه ، وقد أهانه بعض الناس : لن يهينوك ، وإنما أهانوني وعلى هذه الطريقة : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ « 3 » قوله : بِآياتِ اللَّهِ يجوز في هذا الجار وجهان : أحدهما : أنه متعلّق ب « يَجْحَدُونَ » ، وهو الظاهر الذي لا ينبغي أن يعدل عنه . وجوّز أبو البقاء : أن يتعلّق ب « الظَّالِمِينَ » . قال : كقوله تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها « 4 » ، . وهذا الذي قاله ليس بجيد ، لأن الباء هناك سببية ، أي : ظلموا بسببها ، والباء هنا معناها التعدية ، وهنا شيء يتعلق به تعلقا واضحا ، فلا ضرورة تدعو إلى الخروج عنه . وفي هذه الآية إقامة الظاهر مقام المضمر ، إذ الأصل : ولكنهم يجحدون بآيات اللّه ، ولكنه نبه على أن الظلم هو الحامل لهم على الجحود . والجحود والجحد : نفي ما في القلب ثباته ، أو إثبات ما في القلبل نفيه وقيل : الجحد : إنكار المعرفة ، فليس مرادفا للنفي من كل وجه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 35 ) قوله : مِنْ قَبْلِكَ . متعلّق ب « كُذِّبَتْ » ، ومنع أبو البقاء أن يكون صفة ل « رُسُلٌ » ، لأنه زمان ، والزمان لا يوصف به الجثث ، وقد

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 105 ) . ( 2 ) سورة الشعراء ، آية ( 160 ) . ( 3 ) سورة الفتح ، آية ( 10 ) . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 59 ) .