أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

49

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

تقدم البحث في ذلك غير مرّة ، وأتقنته في البقرة ، وذكرته قريبا هنا من قوله : وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً « 1 » . قوله : وَأُوذُوا يجوز فيه أربعة أوجه : أظهرها : أنه عطف على قوله : « كُذِّبَتْ » ، أي : كذّبت الرسل وأوذوا ، فصبروا على كلّ ذلك . والثاني : أنه معطوف على « فَصَبَرُوا » ، أي : فصبروا وأوذوا . والثالث : وهو بعيد - أن يكون معطوفا على « كُذِّبُوا » فيكون داخلا في صلة الحرف المصدري ، والتقدير : فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم . والرابع : أن يكون مستأنفا . قال أبو البقاء : ويجوز أن يكون الوقف تم على قوله : « كُذِّبُوا » ، ثم استأنف فقال : « وَأُوذُوا » . وقرأ الجمهور : « وَأُوذُوا » بواو بعد الهمزة من آذى ، يؤذي رباعيا . وقرأ ابن عامر في رواية شاذة : « وَأُوذُوا » من غير واو بعد الهمزة ، وهو من أذيت الرجل ثلاثيا ، لا من آذيت رباعيا . قوله : حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا : أن هذه الغاية متعلقة بقوله : « فَصَبَرُوا » أي : كأن غاية صبرهم نصر اللّه إيّاهم . وإنّ جعلنا : « وَأُوذُوا » عطفا عليه كانت غاية لهما » ، وهو واضح جدا . وإن جعلناه مستأنفا كانت غاية له فقط . وإن جعلناه معطوفا على « كُذِّبَتْ » فتكون الغاية للثلاثة . و « النصر » : مضاف لفاعله ، ومفعوله محذوف ، أي : نصرنا إياهم ، وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى التكلم ، إذ قبله : بِآياتِ اللَّهِ « 2 » ، فلو جاء على ذلك لقيل : نصره . وفائدة الالتفات إسناد النصر إلى ضمير المتكلم المشعر بالعظمة . قوله : وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ في فاعل « جاء » وجهان : أحدهما : هو مضمر ، واختلفوا فيما يعود عليه هذا الضمير ، فقال ابن عطية : الصواب عندي أن يقدر جلاء أو بيان . وقال الرماني تقديره : ولقد جاءك نبأ . وقال الشيخ « 3 » : الذي يظهر لي أنه يعود على ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة ، أي : ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرسل للرسل ، والصبر والإيذاء ، إلى أن نصروا ، وعلى هذه الأقوال يكون : « مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ » في محل نصب على الحال من ذلك الضمير ، وعاملها هو « جاء » لأنه عامل في صاحبها » . والثاني : أن « مِنْ نَبَإِ » هو الفاعل ذكره الفارسي ، وهذا إنما يتمشى له على رأي الأخفش ، لأنه لا يشترط في زيادتها شيئا ، وهذا - كما رأيت - كلام موجب ، والمجرور ب « مِنْ » معرفة . وضعف هذا أيضا من جهة المعنى بأنه لم كلّ نبأ للمرسلين ، لقوله تعالى : مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ « 4 » وزيادة « مِنْ » يؤدي إلى أنه جاءه جميع الأنباء ، لأنه اسم جنس ، والأمر بخلافه . ولم يتعرض الزمخشري للفاعل ، إلّا أنه قال : وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ « بعض أنبائهم وقصصهم » . وهذا تفسير معنى ، لا تفسير إعراب ، إذ « مِنْ » لا تكون فاعلة ، ولا يجوز أن يكون « مِنْ نَبَإِ » صفة لا لمحذوف ، هو الفاعل ، أي : ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين ، لأن الفاعل لا يحذف بحال إلّا في مواضع ذكرت ، كذا قالوا . قال أبو البقاء : « ولا يجوز عند الجميع أن تكون » من « صفة لمحذوف ، لأن الفاعل لا يحذف ، وحرف الجر إذا لم يكن زائدا لم يصح أن يكون فاعلا ، لأن حرف الجر

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 6 ) . ( 2 ) آية ( 33 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 113 ) . ( 4 ) سورة غافر ، آية ( 78 ) .