أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
474
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : الْحَياةِ الدُّنْيا : فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « تُعْجِبْكَ » ويكون قوله « إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها » جملة اعتراض والتقدير : فلا تعجبك في الحياة . ويجوز أن يكون الجارّ حالا من أموالهم . وإلى هذا نحا ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة قالوا : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد ليعذبهم بها في الآخرة . قال الشيخ : « إلا أنّ تقييد الإعجاب المنهيّ عنه الذي يكون ناشئا عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنه لا يكون إلا في الحياة الدنيا ، فيبقى ذلك كأنه زيادة تأكيد ، بخلاف التعذيب فإنه قد يكون في الدنيا كما يكون في الآخرة ، ومع أن التقديم والتأخير يخصّه أصحابنا بالضرورة » . قلت : كيف يقال مع نصّ من قدّمت ذكرهم : « أصحابنا يخصّون ذلك بالضرورة » على أنه ليس من التقديم والتأخير الذي يكون في الضرورة في شيء إنما هو اعتراض ، والاعتراض لا يقال فيه تقديم وتأخير بالاصطلاح الذي يخصّ بالضرورة . وتسميتهم - أعني ابن عباس ومن معه رضي اللّه عنهم - إنما يريدون فيه الاعتراض المشار إليه لا ما يخصه أهل الصناعة بالضرورة . والثاني : أن « فِي الْحَياةِ » متعلق بالتعذيب ، والمراد بالتعذيب الدنيويّ مصائب الدنيا ورزاياها ، أو ما لزمهم من التكاليف الشاقة ، فإنهم لا يرجون عليها ثوابا . قاله ابن زيد ، أو ما فرض عليهم من الزكوات قاله الحسن ، وعلى هذا فالضمير في « بِها » يعود على الأموال فقط ، وعلى الأول يعود على الأولاد والأموال . قوله تعالى : مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ : الملجأ : الحصن . وقيل : المهرب . وقيل : الحرز وهو مفعل من لجأ إليه يلجأ ، أي : انحاز يقال : ألجأته إلى كذا ، أي : اضطررته إليه فالتجأ . والملجأ يصلح للمصدر والزمان والمكان ، والظاهر منها هنا المكان . والمغارات جمع مغارة وهي مفعلة من غار يغور فهي كالغار في المعنى . وقيل : المغارة : السّرب في الأرض كنفق اليربوع . والغار النّقب في الجبل . والجمهور على فتح ميم « مَغاراتٍ » وقرأ عبد الرحمن بن عوف مغارات بالضم وهو من أغار وأغار يكون لازما ، تقول العرب : أغار بمعنى غار ، أي : دخل ، ويكون متعديا تقول : أغرت زيدا ، أي : أدخلته في الغار ، فعلى هذا يكون من أغار المتعدي ، والمفعول محذوف ، أي : أماكن يغيرون بها أنفسهم ، أي : يغيّبونها . والمدّخل : مفتعل من الدخول وهو بناء مبالغة في هذا المعنى ، والأصل : مدتخل فأدغمت الدال في تاء الافتعال كادّان من الدّين . وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش مدّخّلا بتشديد الدال والخاء معا . وتوجيهها أن الأصل : متدخّلا من تدخّل بالتضعيف ، فلما أدغمت التاء في الدال صار اللفظ مدّخّلا نحو مدّيّن من تديّن . وقرأ الحسن أيضا ومسلمة بن محارب وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير في رواية « مدخلا » بفتح الميم وسكون الدال وفتح الخاء خفيفة من دخل . وقرأ الحسن في رواية محبوب كذلك إلا أنه ضمّ الميم جعله من أدخل . وهذا من أبرع العلم : ذكر أولا الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان ، ثم ذكر الغيران التي يختفى فيها في أعلى الأماكن وفي الجبال ، ثم الأماكن التي يختفى فيها في الأماكن السافلة وهي السّروب وهي التي عبّر عنها بالمدّخل .