أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
473
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
منكم ، وأما إذا عري الأمر من الجواب فليس يصحبه تضمّن الشرط » . قال الشيخ « 1 » : « ويقدح في هذا الشرط التخريج أنّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب لجواب الشرط ، فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب : « فلن يتقبل » بالفاء لأنّ « لَنْ » لا تقع جوابا للشرط إلا بالفاء فكذلك ما ضمّن معناه ، ألا ترى جزمه الجواب في نحو : اقصد زيدا يحسن إليك » . قلت : إنما أراد أبو محمد تفسير المعنى ، وإلا فلا يجهل مثل هذه الواضحات . وأيضا فلا يلزم أن يعطى الأمر التقديري حكم الشيء الظاهر من كل وجه . وقوله : إِنَّكُمْ وما بعده جار مجرى التعليل . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 54 إلى 59 ] وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 ) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) قوله تعالى : أَنْ تُقْبَلَ : فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول ثان ل منع : إمّا على تقدير إسقاط حرف الجر ، أي : من أن يقبل ، وإمّا لوصول الفعل إليه بنفسه ، لأنك تقول : منعت زيدا حقّه ومن حقه . والثاني : أنه بدل من « هم » في مَنَعَهُمْ . قاله أبو البقاء كأنه يريد بدل الاشتمال . ولا حاجة إليه . وفي فاعل « منع » وجهان ، أحدهما - وهو الظاهر - أنه « إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا » ، أي : ما منعهم قبول نفقتهم إلا كفرهم . والثاني : أنه ضمير اللّه تعالى ، أي : وما منعهم اللّه ، ويكون « إِلَّا أَنَّهُمْ » منصوبا على إسقاط حرف الجر ، أي : لأنهم كفروا . وقرأ الأخوان : « أن يقبل » بالياء من تحت ، والباقون بالتاء من فوق ، وهما واضحتان لأنّ التأنيث مجازي ، وقرأ زيد بن علي كالأخوين ، إلا أنه أفرد النفقة . وقرأ الأعرج : « تُقْبَلَ » بالتاء من فوق ، « نفقتهم » بالإفراد . وقرأ السّلمي : « يقبل » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى . وقرىء : « نقبل » بنون العظمة ، « نفقتهم » بالإفراد . قوله : « إِلَّا وَهُمْ كُسالى » ، « إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ » كلتا الجملتين حال من الفاعل قبلها .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 52 ) .