أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

47

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« قَدْ » هنا حرف تحقيق . وقال الزمخشري ، والتّبريزي : « قَدْ نَعْلَمُ » بمعنى « ربّما » التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته ، نحو قوله : 1911 - . . . * قد يهلك المال نائله « 1 » قال الشيخ « 2 » : « وهذا القول غير مشهور للنحاة ، وإن قال به بعضهم ، مستدلا بقوله « 3 » : 1912 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله * كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد « 4 » وقول الآخر : 1913 - أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله « 5 » والذي يظهر أن التكثير لا يفهم من « قَدْ » ، إنما فهم من سياق الكلام ، إذ المدح بقتل قرن واحد غير طائل ، وعلى تقدير ذلك فهو متعذر في الآية ، لأن علمه تعالى لا يقبل التكثير . قلت : قد يجاب عنه بأن التكثير في متعلقات العلم ، لا في العلم . ثم قال وقوله « 6 » : بمعنى « ربّما » التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته . المشهور أن « ربّ » للتقليل لا للتكثير ، وزيادة « ما » عليها لا يخرجها عن ذلك ، بل هي مهيئة لدخولها على الفعل ، و « ما » المهيئة لا تزيل الكلمة عن معناها الأصلي ، كما لا تزيل « لعل » عن الترجي ، ولا « كأن » عن التشبيه ، ولا « ليت » عن التمني ، وقال ابن مالك : « قَدْ » ك « ربّما » في التقليل والصرف إلى معنى المضي ، وتكون حينئذ للتحقيق والتوكيد ، نحو : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ « 7 » . وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ « 8 » ، وقوله : 1914 - وقد تدرك الإنسان رحمة ربّه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا « 9 » وقد تخلو من التقليل ، وهي صارفة لمعنى المضي ، نحو قوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ « 10 » وقال مكي : « قَدْ » هنا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه ، و « نَعْلَمُ » بمعنى : « علمنا » . وقد تقدم الكلام في هذا الحرف ، وأنها مترددة بين الحرفية والإسمية . وقال الشيخ « 11 » هنا : « قَدْ » حرف توقع ، إذا دخلت على مستقبل الزمان كان التوقع من المتكلم ، كقولك : قد ينزل المطر شهر كذا ، وإذا كان ماضيا ، أو فعل حال بمعنى المضي ، كان التوقع عند السامع ، وأما المتكلم فهو موجب ما أخبر به ، وعبر هنا بالمضارع ، إذ المراد الاتصاف بالعلم واستمراره ، ولم يلحظ فيه الزمان كقولهم : « هو يعطي ويمنع » . و « إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ » ساد مسدّ المفعولين ، فإنّها معلقة عن العلم ، وكسرت لدخول اللام في خبرها ، تقدم الكلام في « لَيَحْزُنُكَ » ، وأنه قرىء بفتح الياء وضمها من : حزنه ، وأحزنه في آل عمران « 12 » . و « الَّذِي

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 110 ) . ( 3 ) قال سيبويه : وتكون ( قد ) بمنزلة « ربما » وذكر البيت انظر الكتاب ( 4 / 224 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البحر ( 4 / 111 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 33 ) . ( 8 ) سورة الصف ، آية ( 5 ) . ( 9 ) البيت لأمية بن أبي الصلت انظر ديوانه ( 70 ) ، وروايته فيه : ألا لن تفوت المرء رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا ( 10 ) سورة البقرة ، آية ( 144 ) . ( 11 ) انظر آية ( 65 ) من سورة البقرة . ( 12 ) انظر آية ( 176 ) من سورة آل عمران .