أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

457

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : زعم ابن عطية أنه يجوز أن يعطف على لفظ « مَواطِنَ » بتقدير : وفي ، فحذف حرف الخفض . وهذا لا حاجة إليه . الثالث : قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف عطف الزمان على المكان ، وهو « يَوْمَ حُنَيْنٍ » على « مَواطِنَ » ؟ قلت : معناه : وموطن يوم حنين أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين » . الرابع : أن يراد بالمواطن الأوقات ، فحينئذ إنما عطف زمان على زمان . قال الزمخشري بعد ما قدّمته عنه : « ويجوز أن يراد بالمواطن الوقت كمقتل الحسين ، على أن الواجب أن يكون « يَوْمَ حُنَيْنٍ » منصوبا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر . وموجب ذلك أن قوله : « إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ » بدل من « يَوْمَ حُنَيْنٍ » ، فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصحّ ؛ لأنّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن ، ولم يكونوا كثيرين في جميعها ، فبقي أن يكون ناصبه فعلا خاصا به » . قلت : لا أدري ما حمله على تقدير أحد المضافين أو على تأويل الموطن بالوقت ليصحّ عطف زمان على زمان ، أو مكان على مكان ، إذ يصحّ عطف أحد الظرفين على الآخر ؟ وأمّا قوله : « على أن الواجب أن يكون إلى آخره » كلام حسن ، وتقديره أن الفعل مقيد بظرف المكان ، فإذا جعلنا « إِذْ » بدلا من « يَوْمَ » كان معمولا له ؛ لأنّ البدل يحلّ محلّ المبدل منه ، فيلزم أنه نصرهم إذ أعجبتهم كثرتهم في مواطن كثيرة ، والفرض أنهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة . إلا أنه قد ينقدح فإنه تعالى لم يقل : في جميع المواطن حتى يلزم ما قال ، ويمكن أن يكون أراد بالكثرة الجميع ، كما يراد بالقلة العدم . قوله : بِما رَحُبَتْ « ما » مصدرية أي : رحبها وسعتها . وقرأ زيد بن علي في الموضعين : « رَحُبَتْ » بسكون العين ، وهي لغة تميم ، يسكنون عين فعل فيقولون في شرف : شرف . والرّحب بالضم : السّعة ، وبالفتح : الشيء الواسع . يقال : رحب المكان يرحب رحبا ورحابة وهو قاصر . فأمّا تعدّيه في قولهم : « رحبتكم الدار » فعلى التضمين لأنه بمعنى وسعتكم . وحنين اسم واد ، فلذلك صرفه . وبعضهم جعله اسما للبقعة فمنعه في قوله : 2496 - نصروا نبيّهم وشدّوا أزره * بحنين يوم تواكل الأبطال « 1 » وهذا كما قال الآخر في « حراء » اسم الجبل المعروف اعتبارا بتأنيث البقعة في قوله : 2497 - ألسنا أكبر الثّقلين رحلا * وأعظمهم ببطن حراء نارا « 2 » والمواطن جمع موطن بكسر العين ، وكذا اسم مصدره وزمانه لاعتلال فائه كالموعد قال : 2498 - وكم موطن لولاي طحت كما هوى * بأجرامه من قلّة النّي منهوي « 3 »

--> ( 1 ) البيت لحسان انظر ديوان ( 393 ) الإنصاف ( 2 / 494 ) الفراء ( 1 / 429 ) الطبري ( 14 / 178 ) البحر ( 5 / 24 ) الصحاح واللسان حنن . ( 2 ) البيت لجرير وهو هكذا في الكتاب ( 3 / 245 ) . ستعلم أينا خير قديما * وأعظمنا . . . وانظر المقتضب ( 3 / 359 ) . ( 3 ) البيت ل يزيد بن الحكم الكتاب ( 2 / 374 ) انظر المقرب ( 1 / 193 ) شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 118 ) .