أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
456
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يوما ليحيى بن يعمر وكان يعظّمه : هل تجدني ألحن ؟ فقال : الأمير أجلّ من ذلك ، فقال : عزمت عليك إلا ما أخبرتني ، وكانوا يعظّمون عزائم الأمراء فقال : نعم . فقال : في أي شيء ؟ فقال : في القرآن . فقال : ويلك ! ! ذلك أقبح بي . في أيّ آية ؟ قال : سمعتك تقرأ : قل إن كان آباؤكم ، إلى أن انتهيت إلى « أَحَبَّ » فرفعتها . فقال : إذن لا تسمعني ألحن بعدها ، فنفاه إلى خراسان ، فمكث بها مدة ، وكان بها حينئذ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ، فجاءهم جيش ، فكتب إلى الحجاج كتابا وفيه : « وقد جاءنا العدوّ فتركناهم بالحضيض ، وصعدنا عرعرة الجبل » . فقال الحجاج : ما لابن المهلب ولهذا الكلام ؟ فقيل له : إنّ يحيى هناك . فقال : إذن ذلك . وقرأ الجمهور : « عَشِيرَتُكُمْ » بالإفراد ، وأبو بكر عن عاصم : « عشيراتكم » جمع سلامة . ووجه الجمع ، أنّ لكلّ من المخاطبين عشيرة فحسن الجمع . وزعم الأخفش أن « عشيرة » لا تجمع بالألف والتاء ، إنما تجمع تكسيرا على عشائر . وهذه القراءة حجة عليه ، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي ، وأبي رجاء . وقرأ الحسن « عشائركم » قيل : وهي أكثر من عشيراتكم . والعشيرة : هي الأهل الأدنون . وقيل : هم أهل الرجل الذين يتكثّر بهم أي : يصيرون له بمنزلة العدد الكامل ، وذلك أن العشيرة هي العدد الكامل ، فصارت العشيرة اسما لأقارب الرجل الذين يتكثّر بهم ، سواء بلغوا العشرة أم فوقها . وقيل : هي الجماعة المجتمعة بنسب أو عقد أو وداد كعقد العشرة . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 25 إلى 30 ] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 27 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 ) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) قوله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ فيه أوجه : أحدها : أنه عطف على محلّ قوله « فِي مَواطِنَ » ، عطف ظرف الزمان من غير واسطة « فِي » على ظرف المكان المجرور بها . ولا غرو في نسق ظرف زمان على مكان أو العكس تقول : « سرت أمامك يوم الجمعة » إلا أنّ الأحسن أن يترك العاطف في مثله .