أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
446
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الظرف الزماني ، والتقدير : أيّ زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، ونظره أبو البقاء بقوله تعالى : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها « 1 » والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء ، وفي الخبر الأقوال المشهورة و « فَاسْتَقِيمُوا » جواب الشرط ، وقد نحا إليه الحوفي ، ويحتاج إلى حذف عائد ، أي : أي زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم . وقد جوّز الشيخ جمال الدين بن مالك في « ما » المصدرية الزمانية أن تكون شرطية جازمة ، وأنشد على ذلك : 2475 - فما تحي لا تسأم حياة ، وإن تمت * فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا ولا دليل فيه ، لأن الظاهر الشرطية من غير تأويل بمصدرية وزمان . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن تكون نافية ، لفساد المعنى ، إذ يصير المعنى استقيموا لهم ، لأنهم لم يستقيموا لكم » . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 8 إلى 10 ] كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 ) قوله : كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا . المستفهم عنه محذوف ، لدلالة المعنى عليه ، فقدره ، أبو البقاء : « كيف تطمئنون ، أو كيف يكون لهم عهد ؟ . وقدّره غيره : كيف لا تقاتلونهم » . والتقدير الثاني من تقديري أبي البقاء أحسن ، لأنه من جنس ما تقدم ، فالدلالة عليه أقوى . وقد جاء الحذف في هذا التركيب كثيرا ، وتقدم منه قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ ، فَكَيْفَ إِذا جِئْنا . وقال الشاعر : 2476 - وخبّرتماني أنّما الموت في القرى * فكيف وهاتا هضبة وكثيب « 2 » أي : كيف مات . وقال الحطيئة : 2477 - فكيف ولم أعلمهم خذلوكم * على معظم ، ولا أديمكم قدّوا « 3 » أي : كيف تلومونني في مدحهم . قال الشيخ : « وقدّر أبو البقاء الفعل بعد « كَيْفَ » بقوله : « كيف تطمئنون » ، وقدّره غيره ب « كيف لا تقاتلونهم » ؟ قلت : ولم يقدره أبو البقاء بهذا وحده ، بل به ، وبالوجه المختار كما قدمته عنه . قوله : وَإِنْ يَظْهَرُوا هذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال ، أي : كيف يكون لهم عهد ، وهم على حالة تنافي ذلك ، وقد تقدم تحقيق هذا عند قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ . « 4 » و « لا يَرْقُبُوا » جواب الشرط . وقرأ زيد بن
--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية ( 2 ) . ( 2 ) البيت لكعب بن سعد الغنوي وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 487 ) ، المقتضب ( 2 / 287 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 136 ) ، الأصمعيات ( 97 ) ، البرح المحيط ( 5 / 13 ) . ( 3 ) انظر البيت في ديوانه ( 41 ) ، معاني الزجاج ( 2 / 479 ) ، البحر ( 5 / 13 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 169 ) .