أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
43
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أشهرها : ترجيح المجاز على الإضمار . والثاني : عكسه . والثالث : هما سواء . قوله : قالَ أَ لَيْسَ في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها استئنافية ، أي جواب سؤال مقدر ، قال الزمخشري : « قالَ » مردود على قول قائل ، قال : ما ذا قال لهم ربهم ، إذا وقفوا عليه ، فقيل : قال لهم : « أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ » . والثاني : أن تكون الجملة حالية ، وصاحب الحال ربهم ، كأنه قيل : وقفوا عليه قائلا : أليس هذا بالحق ، والمشار إليه قيل : هو ما كانوا يكذبون به من البعث . وقيل : هو العذاب ، يدل عليه : فَذُوقُوا الْعَذابَ . وقوله : بِما كُنْتُمْ يجوز أن تكون « ما » موصولة اسمية ، والتقدير : تكفرونه ، والأصل : تكفرون به ، فاتصل الضمير بالفعل بعد حذف الواسطة ، ولا جائز أن يحذف وهو مجرور بحاله - وإن كان مجرورا بحرف ، جر بمثله الموصول - لاختلاف المتعلق ، وقد تقدم إيضاحه غير مرّة « 1 » . والأولى أن تجعل « ما » مصدرية ، ويكون متعلق الكفر محذوفا ، والتقدير : بما كنتم تكفرون بالبعث ، أو بالعذاب ، أي : بملاقاته ، أي بكفركم بذلك . قوله : بَغْتَةً . في نصبها أربعة أوجه : أحدها : أنها مصدر في موضع الحال من فاعل « جاءَتْهُمُ » أي : مباغتة ، وإما من مفعوله ، أي : مبغوتين . الثاني : أنها مصدر على غير الصدر ، لأن معنى « جاءَتْهُمُ » : بغتتهم بغتة ، فهو كقولهم : أتيته ركضا . الثالث : أنها منصوبة بفعل محذوف من لفظها ، أي : تبغتهم بغتة . الرابع : بفعل من غير لفظها ، أي : أتتهم بغتة ، والبغت والبغتة : مفاجأة الشيء بسرعة ، من غير اعتداد له ، ولا جعل بال منه ، حتى لو استشعر الإنسان به ، ثم جاءه بسرعة لا يقال فيه : بغتة ، ولذلك قال الشاعر : 1907 - إذا بعثت أشياء قد كان قبلها * قديما فلا تعتدّها بغتات « 2 » والألف واللام في « السَّاعَةُ » للغلبة ، كالنجم والثريا ، لأنها غلبت على يوم القيامة ، وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها على الباري تعالى . وقوله : « قالُوا » هو جواب « إِذا » قوله : « يا حَسْرَتَنا » هذا مجاز ، لأن الحسرة لا يتأتى منها الإقبال ، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر ، وكأنهم نادوا الحسرة ، وقالوا : إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك ، ومثله : يا وَيْلَنا « 3 » ، والمقصود : التنبيه على خطأ المنادي ، حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء .
--> ( 1 ) انظر آية ( 68 ) من سورة البقرة . ( 2 ) انظر البيت في المفردات ( 55 ) . ( 3 ) انظر سورة الأنبياء ، آية ( 14 ) .