أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
44
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : عَلى ما فَرَّطْنا متعلق بالحسرة « وما » مصدرية ، أي : على تفريطنا ، والضمير في « فِيها » يجوز أن يعود على « السَّاعَةُ » ، ولا بد من مضاف ، أي : في شأنها والإيمان بها ، وأن يعود على الصفة المتضمنة في قوله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ ، قاله الحسن ، أو يعود على الحياة الدنيا ، وإن لم يجر لها ذكر ، لكونها معلومة ، قاله الزمخشري ، وقيل : يعود على منازلهم في الجنة إذا رأوها ، وهو بعيد . والتفريط : التقصير في الشيء مع القدرة على فعله . وقال أبو عبيد : هو التضييع . وقال ابن بحر : هو السبق ، ومنه الفارط ، أي السابق للقوم ، فمعنى فرّط - بالتشديد - : خلى السبق لغيره ، فالتضعيف فيه للسلب ، كجلّدت البعير ، ومنه : فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ . قوله « 1 » : وَهُمْ يَحْمِلُونَ الواو للحال ، وصاحب الحال الواو في « قالُوا » ، أي : قالوا : يا حسرتنا في حالة حملهم أوزارهم ، وصدرت هذه الجملة بضمير مبتدأ ، ليكون ذكره مرتين فهو أبلغ . والحمل هنا قيل : مجاز عن مقاساتهم العذاب ، الذي سببه الأوزار . وقيل : هو حقيقة . وفي الحديث : « أنه يمثل له عمله بصورة قبيحة منتنة الريح ، فيحملها . وخص الظهر ، لأنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه غيره ، من الأعضاء ، كالرأس والكاهل ، وهذا كما تقدم في : : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ « 2 » ، لأن اليد أقوى في الإدراك اللمسي من غيرها . و « الأوزار » : جمع وزر ، ك « حمل » وأحمال ، وعدل وأعدال . والوزر في الأصل : الثّقل ، ومنه وزرته ، أي حملته شيئا ثقيلا ، وزير الملك من هذا ، لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه ، ومنه : أوزار الحرب لسلاحها وآلاتها ، قال : 1908 - وأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا « 3 » وقيل : الأصل في ذلك « الوزر » - بفتح الواو والزاي - وهو الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل ، قال تعالى : كَلَّا لا وَزَرَ « 4 » : ثم قيل للثقل : وزر ، تشبيها بالجبل ، ثم استعير الوزر للذنب ، تشبيها به في ملاقاة المشقة منه . والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة والعصمة . قوله : أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ « ساءَ » هنا تحتمل أوجها ثلاثة - : أحدها : أنها « ساءَ » المتصرفة المتعدية ، ووزنها حينئذ فعل - بفتح العين - ومفعولها حينئذ محذوف ، وفاعلها « ما » ، و « ما » تحتمل ثلاثة أوجه : أن تكون موصولة اسمية أو حرفية ، أو نكرة موصوفة ، وهو بعيد ، وعلى جعلها اسمية أو نكرة موصوفة نقدر لها عائدا ، والحرفية غير محتاجة إليه عند الجمهور ، والتقدير : ألا ساءهم الذي يزرونه ، أو شيء يزرونه ، أو وزرهم . وبدأ ابن عطية بهذا الوجه ، قال : كما تقول : ساءني هذا الأمر ، والكلام خبر مجرد كقوله : 1909 - رضيت خطّة خف غير طائلة * فساء هذ رضا يا قيس عيلانا « 5 » قال الشيخ « 6 » : « ولا يتعين أن يكون ما في البيت خبرا مرجدا ، بل يحتمل الأوجه الثلاثة انتهى » . وهو ظاهر . الثاني : أن تكون للتعجب فتنقل من فعل بفتح العين إلى « فعل » بضمها ، فتعطى حكم فعل التعجب من عدم التصرف ، والخروج من الخبر إلى الإنشاء ، إن قلنا : إنّ التعجب إنشاء ، وهو الصحيح ، والمعنى : ما أسوأ أي :
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية ( 79 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 7 ) . ( 3 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 149 ) ، التهذيب ( 13 / 244 ) ، ( وزر ) اللسان ( وزر ) . ( 4 ) سورة القيامة ، آية ( 11 ) . ( 5 ) انظر البيت في البحر المحيط ( 4 / 108 ) . ( 6 ) انظر البحر الموضع السابق .