أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
428
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال قوم : هو تكرير للأول . وقال قوم : كرر لغير تأكيد ، بل لوجوه ، منها : أن الأول دأب في أن هلكوا لما كفروا ، وهذا دأب في أن لم يغير اللّه نعمتهم ، حتى غيّروها هم . قاله ابن عطية . ومنها : أن الثاني جار مجرى التفصيل للأول ، فإن الأول متضمن لذكر إحراقهم ، والثاني متضمن لذكر إغراقهم ، وفي الأولى ما ينزل بهم حال الموت من العقوبة ، وفي الثانية ما يحل بهم من العذاب في الآخرة وجاء في الأول : « بِآياتِ اللَّهِ » إشارة إلى إنكار ذكر دلائل الإلهيّة . وفي الثاني : « بآيات ربّهم » ، إشارة إلى إنكار نعم من ربّاهم ، وأحسن إليهم . وقال الكرماني : « يحتمل أن يكون الضمير في « كَفَرُوا » في الآية الأولى عائدا على « قريش » ، والضمير في « كَذَّبُوا » في الثانية عائدا « آلِ فِرْعَوْنَ » ومن ذكر معهم » . قوله : وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ جمع الضمير في « كانوا » ، وجمع « ظالِمِينَ » مراعاة لمعنى « كُلٌّ » ، لأن « كلا » متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة ، ومعناها أخرى وإنما اختير هنا مراعاة المعنى ، لأجل الفواصل ، ولو روعي اللفظ فقط فقيل مثلا : وكلّ كان ظالما ، لم تتفق الفواصل . قوله : الَّذِينَ عاهَدْتَ . يجوز فيه أوجه : أحدها : الرفع على البدل من الموصول قبله ، أو على النعت له ، أو على عطف البيان ، أو النصب على الذم ، أو الرفع على الابتداء . والخبر قوله : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ - بمعنى : من تعاهد منهم ، أي : من الكفار ثم ينقصون عهدهم ، فإن ظفرت بهم فاصنع كيت وكيت ، فدخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط ، وهذا ظاهر كلام ابن عطية . و « مِنْهُمْ » يجوز أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف ، إذ التقدير : الذين عاهدتهم ، أي : كائنين منهم ، ف « من » للتبعيض . وقيل « 1 » هي بمعنى « مع » ، وقيل : الكلام محمول على معناه ، أي : أخذت منهم العهد . وقيل : زائدة ، أي : عاهدتهم . والأقوال الثلاثة ضعيفة ، والأول أصح . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 57 إلى 59 ] فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 ) قوله : فَشَرِّدْ . العامة على الدال المهملة . والتشريد : التطريد والتفريق والتسميع . وهذه المعاني كلها لائقة بالآية . وقرأ الأعمش بخلاف عنه بالذال المعجمة . قال الشيخ « 2 » : « وكذا هي في مصحف عبد اللّه » . قلت : وقد تقدم أن النقط والشكل أمر حادث ، أحدثه يحيى بن يعمر ، فكيف يوجد ذلك في مصحف ابن مسعود ؟ . قيل : وهذه المادة - أعني : الشين والراء والذال المعجمة - مهملة في لغة العرب . وفي هذه القراءة أوجه : أحدها : أن الذال بدل من مجاورتها ، كقولهم : « لحم حراديل ، وخراذيل » . الثاني : أنه مقلوب من « شذر » ، من قولهم : « تفرقوا شذر مذر » ، ومنه : الشّذر الملتقط من المعدن ، لتفرقه . قال الشاعر :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 508 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 509 ) .