أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

429

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2451 - غرائر في كنّ وصون ونعمة * يحلّين ياقوتا وشذرا مفقّرا الثالث : أنه من شذّر في مقاله ، إذا أكثر فيه ، قاله أبو البقاء ، ومعناه غير لائق هنا . وقال قطرب : « شرّذ » بالمعجمة ، التنكيل ، وبالمهلمة : التفريق » . وهذا يقوي قول من قال : « إنّ هذه المادة ثابتة في لغة العرب » . قوله : مَنْ خَلْفَهُمْ مفعول « شرّد » . وقرأ الأعمش بخلاف عنه وأبو حيوة « من خلفهم » جارا ومجرورا ، والمفعول على هذه القراءة محذوف ، أي : فشرّد أمثالهم من الأعداء ، أو ناسا يعملون بعملهم . والضميران في « لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » الظاهر عودهما على « مَنْ خَلْفَهُمْ » ، أي : إذا رأوا ما حلّ بالناقضين تذكروا . وقيل : يعود على « المثقفين » . وليس له معنى طائل . قوله : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ . مفعول محذوف ، أي : انبذ إليهم عهودهم ، أي : اطرحها ، ولا تكترث بها . و « عَلى سَواءٍ » حال ، إمّا من الفاعل ، أي : انبذها ، وأنت على طريق قصد ، أي : كائنا على عدل ، فلا تبغتهم بالقتال ، بل أعلمهم به . وأما من الفاعل والمفعول معا ، أي : كائنين على استواء في العلم ، أو في العداوة . وقرأ العامة بفتح السين ، وزيد بن علي بكسرها ، وهي لغة تقدم التنبيه عليها أول البقرة قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ يحتمل أن تكون هذه الجملة تعليلا معنويا للأمر بنبذ العهد على عدل ، وهو إعلامهم ، وأن تكون مستأنفة ، سيقت لذم من خان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ونقض عهده . قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ . قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم « يَحْسَبَنَّ » بياء الغيبة هنا ، وفي النور في قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ كذلك ، خلا حفصا . والباقون بتاء الخطاب . وفي قراءة الغيبة تخريجات كثيرة ، سبق نظائرها في أواخر آل عمران ، ولا بدّ من ذكر ما ينبهك هنا على ما تقدم ، فمنها : أن الفعل مسند إلى ضمير يفسره السياق ، تقديره : ولا يحسبنّ هو ، أي : قبيل المؤمنين ، أو الرسول ، أو حاسب ، أو يكون الضمير عائدا على « مَنْ خَلْفَهُمْ » ، وعلى هذه الأقوال فيجوز أن يكون « الَّذِينَ كَفَرُوا » مفعولا أول ، و « سَبَقُوا » جملة في محل نصب مفعولا ثانيا . وقيل : الفعل مسند إلى « الَّذِينَ كَفَرُوا » ، ثم اختلف هؤلاء في المفعولين ، فقال قوم : « الأول محذوف ، تقديره : ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا ، ف « هم » مفعول أول ، و « سَبَقُوا » في محل الثاني ، أو يكون التقدير : لا يحسبنّ الذين كفروا أنفسهم « سَبَقُوا » . وهو في المعنى كالذي قبله » . وقال قوم : بل « أن » الموصولة محذوفة ، وهي وما في حيّزها سادة مسدّ المفعولين ، والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، فحذفت « أن » الموصولة وبقيت صلتها ، كقوله : وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ « 1 » وقولهم : « تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه » ، وقوله : 2452 - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى * . . . « 2 » ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد اللّه « أنهم سبقوا » . وقال قوم : بل « سَبَقُوا » في محل نصب على الحال ، والسادّ مسدّ المفعولين : « أنّهم لا يعجزون » في قراءة من قرأ بفتح « أنهم » ، وهو ابن عامر ، والتقدير : ولا يحسبن الذين

--> ( 1 ) سورة الروم آية ( 24 ) . ( 2 ) تقدم .