أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

418

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2433 - بكت عيني ، وحقّ لها بكاها * وما يغني البكاء ، ولا العويل « 1 » [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 37 إلى 40 ] لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 37 ) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ( 38 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 39 ) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 40 ) قوله : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ . قد تقدم الخلاف فيه في آل عمران « 2 » . وقوله : « وَيَجْعَلَ » يحتمل أن تكون تصييرية ، فتنصب مفعولين ، وأن تكون بمعنى الإلقاء ، فتتعدى لواحد . وعلى كلا التقديرين ف « بَعْضَهُ » بدل بعض من كل ، وعلى القول الأول يكون « عَلى بَعْضٍ » في موضع المفعول الثاني ، وعلى الثاني يكون متعلقا بنفس الجعل ، نحو قولك : « ألقيت متاعك بعضه على بعض » . وقال أبو البقاء بعد أن حكم عليها بأنها تتعدى لواحد - : « وقيل : الجار والمجرور حال ، تقديره : ويجعل الخبيث بعضه عاليا على بعض » . واللام في « لِيَمِيزَ » متلعقة ب « يُحْشَرُونَ » . ويقال : ميّزته فتميّز ، ومزته فانماز ، وقرىء شاذا « وانمازوا اليوم » ، وأنشد أبو زيد : 2434 - لمّا ثنى اللّه عنّي شرّ عدوته * وانمزت لا مسئيا غدرا ولا وجلا « 3 » وقد تقدم الفرق بين هذه الألفاظ في آل عمران . قوله : فَيَرْكُمَهُ نسق على المنصوب قبله . و « الرّكم » : جمعك الشيء فوق الشيء ، حتى يصير ركاما ومركوما ، كما يركم الرمل والسحاب ، ومنه : « يقولوا : سحاب مركوم » « 4 » . والمرتكم : جادّة الطريق ، للرّكم الذي فيه إلى ازدحام السّابلة وآثارهم . و « جَمِيعاً » حال ، ويجوز أن يكون توكيدا عند بعضهم . قوله : لِلَّذِينَ كَفَرُوا . في هذه اللام الوجهان المشهوران : أنها للتبليغ أمران يبلغهم معنى هذه الجملة المحكية بالقول ، وسواء أوردها بهذا اللفظ أم بلفظ آخر مؤد لمعناها . والثاني : أنها للتعليل ، وبه قال الزمخشريّ ، ومنع أن تكون للتبليغ ، فقال : « أي : قل لأجلهم هذا القول : إن ينتهوا ، ولو كان بمعنى : خاطبهم به ، لقيل : إن تنتهوا يغفر لكم ، وهي قراءة ابن مسعود . ونحوه : وَقالَ الَّذِينَ *

--> ( 1 ) البيت من شواهد المقتضب ( 4 / 292 ) ، المنصف ( 3 / 40 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 88 ) ، اللسان « بكا » . ( 2 ) انظر آية رقم ( 179 ) . ( 3 ) البيت ل « مالك بن الريب » وهو من شواهد البحر ( 4 / 494 ) . ( 4 ) سورة الطور ، آية ( 44 ) .