أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

403

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقد ردّ الشيخ « 1 » هذين التخريجين بأن لام « كي » لا تقع صلة . والثاني : أن « ما » هو ماء بالمد ، ولكن العرب قد حذفت همزته فقالوا : « شربت ما » بميم منونة ، حكاه ابن مقسم ، وهذا لا نظير له إذ لا يجوز أن ينتهك اسم معرب بالحذف حتى يبقى على حرف واحد . إذا عرف هذا فيجوز أن يكون قصرها ، وإنما لم ينوّنه إجراء للوصل مجرى الوقف . ثم هذه الألف يحتمل أن تكون عين الكلمة وأن الهمزة محذوفة وهذه الألف بدل من الواو التي في « موه » في الأصل ، ويجوز أن تكون المبدلة من التنوين وأجرى الوصل مجرى الوقف . والأول أولى لأنهم يراعون في الوقف أن لا يتركوا الموقوف عليه على حرف واحد نحو « مر » اسم فاعل من أرى يري . قوله : وَيُذْهِبَ نسق على لِيُطَهِّرَكُمْ . وقرأ عيسى بن عمر « ويذهب » بسكون الباء ، وهو تخفيف سمّاه الشيخ جزما . والعامة على « رِجْزَ » بكسر الراء وبالزاي ، وقرأ ابن محيصن بضم الراء ، وابن أبي عبلة بالسين ، وقد تقدم الكلام على كل واحد منها . ومعنى « رِجْزَ الشَّيْطانِ » هنا : ما ينشأ عن وسوسته . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 12 إلى 14 ] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 13 ) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ( 14 ) قوله : إِذْ يُوحِي . فيه أوجه : أحدها : أنه بدل ثالث من قوله : « وَإِذْ يَعِدُكُمُ » . والثاني : أن ينتصب بقوله : « وَيُثَبِّتَ » قالهما الزمخشري ، ولم يبن ذلك على عود الضمير . وأما ابن عطية فبناه على عود الضمير من قوله : « بِهِ » فقال : « العامل في « إِذْ » العامل الأول على ما تقدم فيما قبلها ، ولو قدرناه قريبا قوله : « وَيُثَبِّتَ » على تأويل عوده على الربط . وأما على تأويل عوده على « الماء » فيتعلق أن يعمل « وَيُثَبِّتَ » في « إِذْ » . وإنما قلق ذلك عنده ، لاختلاف زمان التثبت وزمان الوحي ، فإن إنزال المطر وما تعلق به ، من تعليلاته متقدم على تغشية النعاس وهذا أليق ، وتغشية النعاس والإيحاء كانا وقت القتال » . قوله : أَنِّي مَعَكُمْ مفعول « يُوحِي » ، أي : يوحي كوني معكم بالغلبة والنصر . وقرأ عيسى بن عمر بخلاف عنه « إنّي » بكسر الهمزة ، وفيه وجهان : أحدهما : أن ذلك على إضمار القول ، وهو مذهب البصريين . والثاني : إجراء « يُوحِي » مجرى القول لأنه بمعناه ، وهو مذهب الكوفيين . قوله : فَوْقَ الْأَعْناقِ فيه أوجه : أحدها : أن « فَوْقَ » باقية على ظرفيتها ، والمفعول محذوف أي : فاضربوهم فوق الأعناق ، علّمهم كيف يضربونهم .

--> ( 1 ) انظر المصدر السابق .