أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
404
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن « فَوْقَ » مفعول به على الاتّساع لأنه عبارة عن الرأس كأنه قيل : فاضربوا رؤوسهم . وهذا ليس بجيد لأنه لا يتصرّف . وقد زعم بعضهم أنه يتصرّف وأنك تقول : فوقك رأسك برفع « فوقك » ، وهو ظاهر قول الزمخشري فإنه قال : « فَوْقَ الْأَعْناقِ : أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح التي هي مفاصل » . الثالث : - وهو قول أبي عبيدة - أنها بمعنى على أي : على الأعناق ، ويكون المفعول محذوفا تقديره : فاضربوهم على الأعناق ، وهو قريب من الأول . الرابع : قال ابن قتيبة : « هي بمعنى دون » . قال ابن عطية : « وهذا خطأ بيّن وغلط فاحش ، وإنما دخل عليه اللّبس من قوله : بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، أي : فما دونها ، وليست « فَوْقَ » هنا بمعنى دون ، وإنما المراد : فما فوقها في القلة والصغر » . الخامس : أنها زائدة أي اضربوا الأعناق وهو قول أبي الحسن ، وهذا عند الجمهور خطأ ، لأنّ زيادة الأسماء لا تجوز . قوله : مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ يجوز أن يتعلّق « مِنْهُمْ » بالأمر قبله أي : ابتدئوا الضرب من هذه الأماكن . وهذا الكلام مع ما قبله معناه : اضربوهم في جميع الأماكن والأعضاء من أعاليهم إلى أسافلهم . ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « كُلَّ بَنانٍ » ؛ لأنه في الأصل يجوز أن يكون صفة له لو تأخّر قال أبو البقاء : « ويضعف أن يكون حالا من « بَنانٍ » إذ فيه تقديم حال المضاف إليه على المضاف » فكأن المعنى : اضربوهم كيف ما كان . قال الزمخشري : « يعني ضرب الهام » قال : 2406 - . . . * وأضرب هامة البطل المشيح « 1 » وقال : 2407 - غشّيته وهو في جأواء باسلة * عضبا أصاب سواء الرّأس فانفلقا « 2 » وقال ابن عطية : « ويحتمل أن يريد بقوله : « فَوْقَ الْأَعْناقِ » وصف أبلغ ضربات العنق ، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ، ودون عظم الرأس » . ثم قال : ومنه قوله : 2408 - جعلت السّيف بين الجيد منه * وبين أسيل خدّيه عذارا « 3 » وقيل : هذا من ذكر الجزء وإرادة الكلّ ، كقول عنترة : 2409 - عهدي به شدّ النّهار كأنّما * خضب البنان ورأسه بالعظلم « 4 » والبنان قيل : الأصابع ، وهو اسم جنس ، الواحد « بنانة » ، قال عنترة :
--> ( 1 ) عجز بيت لعمرو بن الإطنابة وصدره : وإقحامي على المكروه نفسي * . . . انظر العمدة لابن رشيق ( 1 / 29 ) ، معجم الشعراء ( 8 ) ، الشذور ( 345 ) . ( 2 ) البيت ل « بلعاء بن قيس » انظر شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 8 ) ، الخزانة ( 6 / 556 ) ، البحر المحيط ( 4 / 470 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر المحيط ( 4 / 471 ) . ( 4 ) تقدم .