أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

402

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كالذي قبله ، إلا أنه بتشديد الشين . فالقراءة الأولى من « غشي يغشى » ، و « النُّعاسَ » فاعل . وفي الثانية من « أغشى » ، وفاعله ضمير الباري تعالى ، وكذا في الثالثة من « غشّى » بالتشديد ، و « النُّعاسَ » فيهما مفعول به ، و « أغشى » و « غشى » و « غشّى » لغتان . قوله : « أَمَنَةً » : في نصبها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مصدر لفعل مقدر ، أي : فأمنتم أمنة . الثاني : أنها منصوبة على أنها واقعة موقع الحال ، إمّا من الفاعل ، فإن كان الفاعل « النُّعاسَ » فنسبة الأمنة إليه مجاز ، وإن كان الباري تعالى - كما هو في القراءتين الأخيرتين - فالنسبة حقيقية ، وإمّا من المفعول على المبالغة ، أي : جعلهم نفس الأمنة ، أو على حذف مضاف ، أي : ذوي أمنة . الثالث : أنه مفعول من أجله ، وذلك إما أن يكون على القراءتين الأخيرتين ، أو على الأولى ، فعلى القراءتين الأخيرتين أمرها واضح ، وذلك أن التغشية ، أو الإغشاء من اللّه تعالى ، والأمنة منه أيضا ، فقد اتّحد الفاعل فصح النصب على المفعول له . وأمّا على القراءة الأولى ففاعل « يغشى » : « النُّعاسَ » ، وفاعل « الأمنة » : الباري تعالى ، ومع اختلاف الفاعل يمتنع النصب على المفعول له على المشهور ، وفيه خلاف ، اللهم إلّا أن يتجوز فيجوز ، وقد أوضح ذلك الزمخشريّ ، فقال : « و « أَمَنَةً » مفعول له . فإن قلت : أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحدا ؟ قلت : بلى ، ولكن لما كان معنى « يغشاكم النعاس » : تنعسون ، انتصب « أَمَنَةً » على معنى أن النعاس والأمنة لهم ، والمعنى : « إذ تنعسون أمنا » . ثم قال : « فإن قلت : هل يجوز أن ينتصب على أن « الأمنة » للنعاس الذي هو يغشاكم ؟ أي : يغشاكم النعاس لأمنه ، على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي ، وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة ، أو على أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في ذلك الوقت المخوف ألا يقدم على غشيانكم ، وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من اللّه ، أولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخيّل » ؟ . قلت : لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله وله فيه نظائر ، وقد ألمّ به من قال : 2405 - يهاب النّوم أن يغشى عيونا * تهابك فهو نفّار شرود « 1 » وقوله : « مِنْهُ » في محلّ نصب صفة ل « أَمَنَةً » ، والضمير في « مِنْهُ » يجوز أن يعود على الباري تعالى ، وأن يعود على النعاس بالمجاز المذكور آنفا . وقرأ ابن محيصن والنخعي ويحيى بن يعمر « أمنة » بسكون الميم . ونظير أمن أمنة بالتحريك حيي حياة ، ونظير أمن أمنة بالسكون رحم رحمة . قوله : ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ العامّة على « ماءً » بالمد . و « لِيُطَهِّرَكُمْ » متعلّق ب « يُنَزِّلُ » . وقرأ الشعبي « ما ليطهركم » بألف مقصورة ، وفيها تخريجان أظهرهما - وهو الذي ذكره ابن جني وغيره - أنّ « ما » بمعنى الذي ، و « لِيُطَهِّرَكُمْ » صلتها ، وقال بعضهم « 2 » . تقديره : الذي هو ليطهركم ، فقدّر الجارّ خبرا لمبتدأ محذوف ، والجملة صلة ل « ما » .

--> ( 1 ) البيت للزمخشري انظر شواهد الكشاف ( 374 ) ، البحر المحيط ( 4 / 468 ) ، روح المعاني . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 468 ) .