أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
393
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2399 - إنّا إذا احمرّ الوغى نروي القنا * ونعفّ عند تقاسم الأنفال « 1 » وقيل : سمّيت الأنفال ، لأن المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم . وقال الزمخشري : « والنّفل : ما ينفله الغازي ، أي : يعطاه زيادة على سهمه من المغنم » . قوله : « ذاتَ بَيْنِكُمْ » قد تقدم الكلام على « ذاتَ » في آل عمران . وهي هنا صفة لمفعول محذوف ، تقديره : وأصلحوا أحوالا ذات افتراقكم ، أو ذات وصلكم ، أو ذات المكان المتصل بكم ، فإنّ « بين » قد قيل : إنه يراد به هنا الفراق ، أو الوصل ، أو الظرف . وقال الزجاج ، وغيره : « إنّ ذات » هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه » . وقد أوضح ذلك ابن عطية ، والتفسير ببيان هذا أولى . وقال الشيخ « 2 » : « والبين : الفراق ، و « ذاتَ » نعت لمفعول محذوف ، أي : وأصلحوا أحوالا ذات افتراقكم ، لما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت صفتها إليه ، كما تقول : وأضيف إلى الإناء ، والمعنى : اسقني ما في الإناء من الماء » . قوله : وَجِلَتْ . يقال : وجل ، بالكسر في الماضي ، يوجل ، بالفتح ، وفيه لغة أخرى قرىء بها في الشاذ « وجلت » ، بفتح الجيم في الماضي ، وكسرها في المضارع ، فتحذف الواو ، ك « وعد ، يعد » ، ويقال في المشهورة : « وجل ، يوجل » ، ومنهم من يقول : « ياجل » بقلب الواو ألفا ، وهو شاذ ، لأنه قلب حرف العلة بأحد الشيئين ، وهو انفتاح ما قبل حرف العلة دون تحركه ، وهو نظير « طائيّ » في النسب إلى « طيّىء » ، ومنهم من يقول : « ييجل » بكسر حرف المضارعة ، فتنقلب الواو ياء ، لسكونها وانكسار ما قبلها ، وقد تقدم في أول هذا الموضوع أن من العرب من يكسر حرف المضارعة بشروط ، منها : « ألّا يكون حرف المضارعة ياء » ، إلا في هذه اللفظة ، وفي « أبى يئبى » . ومنهم من ركب من هاتين اللغتين لغة أخرى ، وهي فتح الياء وقلب الواو ياء ، فقال : « ييجل » ، فأخذ قلب الواو ممّن كسر حرف المضارعة ، وأخذ فتح الياء من لغة الجمهور . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال ابن عطية : « وجواب الشرط المتقدم في قوله : « وَأَطِيعُوا » هذا مذهب سيبويه ، ومذهب المبرد أن الجواب محذوف متأخر ، ومذهبه في هذا ألّا يتقدم الجواب على الشرط » . قلت : وهذا الذي ذكره ابن عطية نقل الناس خلافه ، نقلوا ذلك ، أعني جواز تقديم جواب الشرط عليه ، عن الكوفيين وأبي زيد وأبي العباس ، واللّه أعلم أيهما أثبت ؟ ويجوز أن يكون للمبرد قولان ، وكذا لسيبويه ، فنقل كل فريق عن كل منهما أحد القولين . وقوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ . يجوز في هذا الموصول أن يكون مرفوعا على النعت للموصول ، أو على البدل ، أو على البيان له ، وأن يكون منصوبا على القطع المشعر بالمدح . وقوله : وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ التقديم يفيد الاختصاص ، أي : عليه ، لا على غيره . وهذه الجملة يحتمل أن يكون لها محل من الإعراب ، وهو النصب على الحال من مفعول « زادَتْهُمْ » ، ويحتمل أن تكون مستأنفة ، ويحتمل أن تكون معطوفة على الصلة قبلها ، فتدخل في حيّز الصلات المتقدمة ، وعلى هذين الوجهين فلا محل لها من الإعراب .
--> ( 1 ) البيت لعنترة وهو من شواهد البحر المحيط ( 4 / 455 ) ، والقرطبي ( 7 / 362 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 456 ) .