أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
394
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بقوله : حَقًّا . يجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ، أي : هم المؤمنون إيمانا حقا ، ويجوز أن يكون مؤكدا لمضمون الجملة ، كقولك : « هو عبد اللّه حقّا » ، والعامل فيه على كلا القولين مقدر ، أي : أحقّه حقّا . ويجوز - وهو ضعيف جدا - أن يكون مؤكدا لمضمون الجملة الواقعة بعده ، وهي : « لَهُمْ دَرَجاتٌ » ، ويكون الكلام قد تم عند قوله : « هُمُ الْمُؤْمِنُونَ » ، ثم ابتدىء ب « حَقًّا ، لَهُمْ دَرَجاتٌ » ، وهذا إنما يجوز على رأي ضعيف ، أعني : تقديم المصدر المؤكد لمضمون جملة عليها . قوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ يجوز أن يكون متعلقا ب « دَرَجاتٌ » ، لأنها بمعنى « أجور » ، وأن يتعلق بمحذوف ، لأنها صفة ل « دَرَجاتٌ » ، أي : استقرت عند ربّهم ، وأن يتعلق بما تعلق به « لَهُمْ » من الاستقرار . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 5 ] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) قوله : كَما أَخْرَجَكَ . فيه عشرون وجها : أحدها : أن الكاف نعت لمصدر محذوف ، تقديره : الأنفال ثابتة للّه ثبوتا ، كما أخرجك ، أي ثبوتا بالحق كإخراجك من بيتك بالحق ، يعني أنه لا مرية في ذلك . الثاني : أنّ تقديره : وأصلحوا ذات بينكم إصلاحا ، كما أخرجك ، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد . الثالث : تقديره : وأطيعوا اللّه ورسوله طاعة محققة ثابتة ، كما أخرجك ، أي : كما أن إخراج اللّه تعالى إيّاك لا مرية فيه ، ولا شبهة . الرابع : تقديره : يتوكّلون توكلا حقيقيا ، كما أخرجك ربك . الخامس : تقديره : هم المؤمنون حقا ، كما أخرجك ، فهو صفة ل « حَقًّا » . السادس تقديره : استقر لهم درجات ، وكذا استقرارا ثابتا كاستقرار إخراجك . السابع : أنه متعلق بما بعده ، تقديره : يجادلونك مجادلة ، كما أخرجك ربك . الثامن : تقديره : لكارهون كراهية ثابتة ، كما أخرجك ربك ، أي : أن هذين الشيئين : الجدال والكراهية ثابتان لا محالة ، كما أن إخراجك ثابت لا محالة . التاسع : أن الكاف بمعنى « إذ » ، و « ما » مزيدة ، والتقدير : أذكر إذ أخرجك ، وهذا فاسد جدا ، إذ لم يثبت في موضع ، أن الكاف تكون بمعنى « إذ » ، وأيضا فإنّ « ما » لا تزاد إلا في مواضع ، ليس هذا منها . العاشر : أن الكاف بمعنى « واو » القسم ، و « ما » بمعنى « الذي » واقعة على ذي العلم مقسما به ، وقد وقعت على ذي العلم في قوله : وَالسَّماءِ وَما بَناها ، « وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى » ، والتقدير : والذي أخرجك ، ويكون