أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

391

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

جمع « بصيرة » ، وأطلق على القرآن « بصائر » إمّا مبالغة ، وإمّا لأنه سبب البصائر وإمّا على حذف مضاف ، أي : ذو بصائر . و « لعلّ » يجوز أن تكون للترجي بحسب المخطابين ، وأن تكون للتعليل . وقوله : تَضَرُّعاً وَخِيفَةً . في نصبهما وجهان : أظهرهما : أنهما مفعولان من أجلهما ، لأنه يتسبب عنهما الذكر . والثاني : أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال ، أي : متضرعين خائفين ، أو ذوي تضرّع وخيفة . وقرىء « وخفية » بتقديم الفاء . وقيل : هما مصدران للفعل من معناه ، لا من لفظه ، ذكره أبو البقاء ، وهو بعيد . قوله : وَدُونَ الْجَهْرِ قال أبو البقاء : « معطوف على « تضرّع » ، والتقدير : ومقتصدين » . وهذا ضعيف ، لأن « دُونَ » ظرف لا يتصرف على المشهور ، فالذي ينبغي أن يجعل صفة لشيء محذوف ، ذلك المحذوف هو الحال ، كما قدره الزمخشري ، فقال : « وَدُونَ الْجَهْرِ » : ومتكلما كلاما دون الجهر ، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص ، وأقرب إلى حسن التفكر . قوله : بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ : متعلق ب « اذْكُرْ » ، أي : اذكره في هذين الوقتين ، وهما عبارة عن الليل والنهار . « وقال أبو البقاء : « بِالْغُدُوِّ » متعلق ب « ادْعُوا » . وهو سبق لسان ، أو قلم ، إذ ليس نظم القرآن كذا » . و « الغدوّ » إمّا جمع « غدوة » ، ك « قمح » « وقمحة » ، وعلى هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي . وقيل : هو مصدر ، فيقدر زمان مضاف إليه ، حتى يتقابل زمان مجموع بمثله ، تقديره : بأوقات الغدوّ . والآصال : جمع أصل ، وأصل : جمع أصيل ، فهو جمع الجمع . ولا جائز أن يكون جمعا ل « أصيل » ، لأن « فعيلا » لا يجمع على « أفعال » . وقيل : بل هو جمع ل « أصيل » ، و « فعيل » يجمع على « أفعال » ، نحو : يمين وأيمان . وقيل : « آصال » جمع ل « أصل » ، و « أصل » مفرد ، ثبت ذلك من لغتهم ، وهو العشيّ ، و « فعل » يجمع على « أفعال » ، قالوا : عنق وأعناق ، وعلى هذا فلا حاجة إلى دعوى أنه جمع الجمع ، ويجمع على « أصلان » ، ك « رغيف ورغفان » ، ويصغر على لفظه ، كقوله : 2396 - وقفت فيها أصيلانا أسائلها * عيّت جوابا ، وما بالرّبع من أحد « 1 » واستدل الكوفوين بقولهم : « أصيلان » على جواز تصغير جمع الكثرة بهذا البيت ، وتأوله البصريون على أنه مفرد . وتبدل نونه لاما ، ويروى : أصيلالا . . . وقرأ أبو مجلز ، واسمه : لاحق بن حميد السدوسي البصري « والإيصال » مصدر « آصل » ، أي : دخل في الأصيل .

--> ( 1 ) البيت للنابغة انظر ديوانه ( 30 ) ، الكتاب ( 2 / 321 ) ، المقتضب ( 4 / 414 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 80 ) ، أوضح المسالك ( 2 / 389 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 328 ) ، التصريح ( 2 / 367 ) ، الإنصاف ( 1 / 170 ) .