أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
390
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ : « ويمكن أن يتعلق « فِي الغَيِّ » على هذا التأويل ب « يَمُدُّونَهُمْ » على جهة السببية ، أي : يمدّونهم بسبب غوايتهم ، نحو : « دخلت امرأة النّار في هرّة » ، أي : بسبب هرة . ويحتمل أن يكون « فِي الغَيِّ » حالا ، فيتعلق بمحذوف ، أي : كائنين في الغي ، فيكون « فِي الغَيِّ » في موضعه ، ولا يتعلق ب « إِخْوانُهُمْ » ، وقد جوّز ذلك ابن عطية ، وعندي في ذلك نظر ، فلو قلت : « مطعمك زيد لحما » تريد : مطعمك لحما زيد ، فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر ، لكان في جوازه نظر ، لأنك فصلت بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معا ، وإن كان ليس أجنبيا لأحدهما ، وهو المبتدأ » . قلت : ولا يظهر منع هذا البتة ، لعدم أجنبيته . وقرأ نافع « يمدّونهم » بضم الياء وكسر الميم ، من « أمدّ » ، والباقون بفتح الياء وضم الميم ، من « مدّ » ، وقد تقدم الكلام على هذه المادة ، هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق في أوائل هذا الموضوع . وقرأ الجحدري « يمادّونهم » ، من : مادّه ، بزنة فاعله . وقرأ العامة « يُقْصِرُونَ » من « أقصرة » ، قال الشاعر : 2393 - لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر * ولا مقصر يوما فيأتيني بقر « 1 » وقال امرؤ القيس : 2394 - سما لك شوق بعد ما كان أقصرا * وحلّت سليمى بطن قوّ فعرعرا « 2 » « أي : ولا نازع عما هو فيه ، وارتفع شوقك بعد ما كان قد نزع وأقلع » . وقرأ عيسى بن عمر ، وابن أبي عبلة « ثم لا يقصرون » بفتح الياء وضم الصاد ، من قصر ، أي : ثم لا ينقصون من إمدادهم . وهذه الجملة ، أعني : « وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ » زعم الزجاج أنها متصلة بالجملة من قوله : « لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً » ، وهو تكلف بعيد . وقوله : « فِي الغَيِّ » قد تقدم أنه يجوز أن يكون متعلّقا بالفعل ، أو ب « إِخْوانُهُمْ » ، أو بمحذوف على أنه حال ، إمّا من « إِخْوانُهُمْ » ، وإمّا من « واو » « يَمُدُّونَهُمْ » ، وإما من مفعوله . قوله : لَهُ . متعلق ب « استمعوا » على معنى : لأجله ، والضمير للقرآن . وقال : أبو البقاء : « يجوز أن يكون بمعنى للّه ، أي : لأجله » . فأعاد الضمير على « اللّه » ، وفيه بعد . وجوز أيضا أن تكون اللام زائدة ، أي : فاستمعوه » . وقد عرفت أن هذا لا يجوز عند الجمهور إلّا في موضعين ، إمّا تقديم المعمول ، أو كون العامل فرعا . وجوز أيضا أن تكون بمعنى « إلى » ، ولا حاجة إليه . و « الاجتباء » : الافتعال ، من : جباه يجبيه ، أي : جمعه مختارا له ، ولهذا قلت : اجتبيت الشيء ، أي : اخترته . وقال الزمخشري : اجتبى الشيء ، بمعنى جباه لنفسه ، أي : جمعه ، كقولك : اجتمعه ، أو جبي إليه ، فاجتباه ، أي : أخذه ، كقولك : جلّيت له العروس ، فاجتلاها . والمعنى : هلّا اجتمعتها ، افتعالا من عند نفسك ، لأنهم كانوا يقولون : « إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ » والإنصات : السكوت ، للاستماع . قال الفراء : ويقال : « نصت وأنصت بمعنى واحد » . وقد جاء « أنصت » متعديا ، قال الكميت : 2395 - أبوك الّذي أجدى عليّ بنصره * فأنصت عنّي بعده كلّ قائل « 3 » وقوله : هذا بَصائِرُ .
--> ( 1 ) البيت لامرىء القيس انظر ديوانه ( 109 ) ، البحر المحيط ( 4 / 451 ) ، اللسان « قرر » . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 56 ) ، وانظر تفسير القرطبي ( 7 / 352 ) . ( 3 ) البيت للراعي انظر مجاز القرآن ( 2 / 47 ) ، الجمهرة ( 2 / 360 ) ، البحر ( 1 / 187 ) .