أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
389
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وطوافا . وأضاف : استدار القوم من نواحيهم . وطاف الخيال : ألمّ ، يطيف طيفا » . فقد فرق أبو زيد بين ذي الواو ، وذي الياء ، فخصص كلّ مادة بمعنى ، وفرق أيضا بين « فعل ، وأفعل » ، كما رأيت . وزعم السّهيليّ أنه لا يستعمل من « طاف الخيال » اسم فاعل ، قال : « لأنه تخيّل ، لا حقيقة له » . قال : « فأما قوله تعالى : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ فلا يقال فيه « طيف » لأنه اسم فاعل حقيقة » . وقال حسان : 2391 - جنّيّة أرّقني طيفها * يذهب صبحا ويرى في المنام « 1 » وقال السّدّي : « الطيف : الجنون ، والطائف : الغضب » . وعن ابن عباس - « رضي اللّه عنهما » : هما بمعنى واحد ، وهو « النّزع » . قوله : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ . في هذه الآية أوجه : أحدها : أن الضمير في « إِخْوانُهُمْ » يعود على « الشياطين » ، لدلالة لفظ « الشَّيْطانِ » عليهم ، أو على « الشَّيْطانِ » نفسه ، لأنه لا يراد به الواحد ، بل الجنس . والضمير المنصوب في « يَمُدُّونَهُمْ » يعود على « الكفار » ، والمرفوع يعود على « الشياطين » ، أو « الشَّيْطانِ » ، كما تقدم ، والتقدير : وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين ، وعلى هذا الوجه فالخبر جار على غير من هو له في المعنى ، ألا ترى أن ترى أن الإمداد مسند إلى الشياطين في المعنى ، وهو في اللفظ خبر عن « إِخْوانُهُمْ » ، ومثله : 2392 - قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها * . . . « 2 » وقد تقدم لك في هذا كلام وبحث مع مكي ، وغيره من حيث جريان الفعل على غير من هو له ، ولم يبرز ضمير . وهذا التأويل الذي ذكرته هو قول الجمهور ، وعليه عامة المفسرين . قال الزمخشري : « هو أوجه ، لأن « إِخْوانُهُمْ » في مقابلة « الَّذِينَ اتَّقَوْا » . الثاني : أن المراد بالإخوان : الشياطين ، وبالضمير المضاف إليه : الجاهلون ، أو غير المتقين ، لأن الشيء يدل على مقابله ، والواو تعود على الإخوان ، والضمير المنصوب يعود على الجاهلين ، أو غير المتقين ، « والمعنى : والشياطين الذين هم إخوان الجاهلين ، أو غير المتقين ، يمدون الجاهلين ، أو غير المتقين » في الغيّ ، والخبر في هذا الوجه جار على من هو له لفظا ومعنى ، وهذا تفسير قتادة . الثالث : أن يعود الضمير المجرور والمنصوب على الشياطين ، والمرفوع على الإخوان ، وهم الكفار . قال ابن عطية : « ويكون المعنى : وإخوان الشياطين في الغيّ ، بخلاف الإخوة في اللّه تعالى ، يمدون ، أي : بطاعتهم لهم وقبولهم منهم . ولا يترتب هذا التأويل على أن يتعلق « فِي الغَيِّ » بالإمداد ، لأن الإنس لا يغرون الشياطين » . قلت : يعني يكون « فِي الغَيِّ » حالا من المبتدأ ، أي : وإخوانهم حال كونهم مستقرين في الغيّ . وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف ، والأحسن أن يتعلق بما تضمنه « إِخْوانُهُمْ » من معنى المؤاخاة والأخوة ، وسيأتي فيه بحث للشيخ .
--> ( 1 ) انظر البيت في ديوانه ( 184 ) ، البحر المحيط ( 4 / 450 ) . ( 2 ) صدر بيت لزياد بن منقذ وعجزه : . . . * فوارس الخيل لا ميل ولا قزم انظر المحتسب ( 1 / 291 ) ، البحر المحيط ( 4 / 451 ) ، الصحاح واللسان « قزم » .