أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
349
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثلاثي يكون متعديا بنفسه ، والإضمار على خلاف الأصل وقال أبو البقاء - في هذا التخريج - : « فلا تشمت بي أنت » . فجعل الفاعل ضمير « مُوسى » ، وهو أولى من إسناده إلى ضمير اللّه تعالى . وأما تنظيره بقوله : « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » فإنما جاز ذلك للمقابلة في قوله : « إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » ، وقوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ، ولا يجوز ذلك في غير المقابلة . وقرأ حميد بن قيس « فلا تشمت » كقراءة ابن محيصن ، ومجاهد كقراءته فيه أولا ، إلا أنهما رفعا « الأعداء » على الفاعلية ، جعلا « شمت » لازما ، فرفعا به « الْأَعْداءَ » على الفاعلية ، فالنهي في اللفظ للمخاطب ، والمراد به غيره ، كقولهم : « لا أرينك ههنا » ، أي : لا يكن منك ما يقتضي أن تشمت بي الأعداء . والإشمات والشّماتة : الفرح ببليّة ، تنال عدوّك ، قال : 2320 - . . . * والموت دون شماتة الأعداء « 1 » قيل : واشتقاقها من شوامت الدابة ، وهي قوائمها ، لأن الشماتة تقلب قلب الحاسد في حالتي الفرح والترح ، كتقلب شوامت الدابة . وتشميت العاطس وتسميته ، بالشين والسين : الدعاء له بالخير . قال أبو عبيد : « الشين أعلى اللغتين » . وقال ثعلب : « الأصل فيهما السين من السّمت ، وهو القصد والهدى » . وقيل : معنى تشميت العاطس ، بالمعجمة : أن يثبته اللّه كما تثبت قوائم الدابة . وقيل : بل التفعيل للسلب ، أي : أزال اللّه الشماتة به ، وبالسين المهملة ، أي : رده اللّه إلى سمته الأول ، أي : هيئته ، لأنه يحصل له انزعاج . وقال أبو بكر « يقال : سمّته ، وشمّت عليه ، وفي الحديث : « وشمّت عليهما » « 2 » . قوله : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ . أي : ومثل ذلك النيل من الغضب والذّلّة نجزي المفترين . قوله : وَالَّذِينَ عَمِلُوا . مبتدأ ، وخبره قوله : « إِنَّ رَبَّكَ » إلى آخره ، والعائد محذوف ، والتقدير : غفور لهم ، رحيم بهم ، كقوله : « وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . أي : منه . قوله : مِنْ بَعْدِها يجوز أن يعود الضمير على « السَّيِّئاتِ » ، وهو الظاهر ، ويجوز أن يكون عائدا على التوبة المدلول عليها بقوله : « ثُمَّ تابُوا » ، أي : من بعد التوبة . قال الشيخ : « وهذا أولى ، لأن الأول يلزم منه حذف مضاف ومعطوف ، إذ التقدير : من بعد عمل السيئات والتوبة منها » . قوله : « وَآمَنُوا » يجوز أن تكون الواو للعطف ، فيقال : التوبة بعد الإيمان ، فكيف جاءت قبله ؟ فيقال : الواو لا ترتب . ويجوز أن تكون الواو للحال ، أي تابوا وقد آمنوا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 154 ] وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) قوله : وَلَمَّا سَكَتَ . السّكوت والسّكات : قطع الكلام ، وهو هنا استعارة بديعة ، قال الزمخشري : « هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ، ويقول له : قل لقومك : كذا ، وألق الألواح ، وخذ برأس أخيك إليك ، فترك النطق بذلك ، وترك
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 3 / 100 ) .