أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
342
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني ذكره ابن جني وهو : أنه على الإشباع فيتولد منها الواو ، قال : وناسب هذا كونه موضع تهديد ووعيد ، فاحتمل الإتيان بالواو » . قلت : وهذا كقول الآخر : 2308 - اللّه يعلم أنّا في تلفّتنا * يوم اللقاء إلى أحبابنا صور وأنّني حيثما يعني الهوى بصري * من حيثما سلكوا أدنو فأنظور « 1 » « لكن الإشباع بابه الضرورة عند بعضهم . وقرأ ابن عباس ، وقسامة بن زيد « سأورثكم » . قال الزمخشري : « وهي قراءة حسنة ، يصححها قوله تعالى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ . قوله : بِغَيْرِ الْحَقِّ . فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال ، أي : يتكبرون ملتبسين بغير الحق . والثاني : أن يتعلق بالفعل قبله ، أي : يتكبرون بما ليي بحق . والتكبر بالحق لا يكون إلا للّه تعالى خاصة . قوله : وَإِنْ يَرَوْا الظاهر أنها بصرية ، ويجوز أن تكون قلبية ، والثاني محذوف ، لفهم المعنى ، كقول عنترة : 2309 - ولقد نزلت - فلا تظنّي غيره - * منّي بمنزلة المحبّ المكرم « 2 » أي : فلا تظني غيره واقعا مني . وكذا الآية الكريمة ، أي : وإن يروا كلّ آية جائية ، أو حادثة . وقرأ مالك بن دينار « يَرَوْا » مبنيا للمفعول ، من « أرى » المنقول بهمزة التعدية . قوله : « الرُّشْدِ » قرأ الأخوان هنا ، وأبو عمرو في الكهف في قوله : « مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً » خاصة دون الأوّلين فيها ، بفتحتين ، والباقون بضمة وسكون . واختلف الناس فيهما ، هل هما بمعنى واحد ؟ فقال الجمهور : نعم لغتان في المصدر ، كالبخل والبخل ، والسّقم والسّقم ، والحزن والحزن . وقال أبو عمرو بن العلاء : « الرّشد » بضم وسكون : الصلاح في النظر ، وبفتحتين : الدين . قالوا : « ولذلك أجمع على قوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً بالضم والسكون ، وعلى قوله : فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً بفتحتين » . وروى عن ابن عامر « الرّشد » بضمتين ، وكأنه من باب الاتباع ، كاليسر والعسر . وقرأ السّلميّ « الرّشاد » بألف ، فيكون الرّشد والرّشد والرّشاد كالسّقم والسّقم ، والسّقام . وقرأ ابن أبي عبلة « لا يتّخذها » ، و « يتّخذوها » بتأنيث الضمير ، لأن « السبيل » يجوز تأنيثها ، قال تعالى : « قُلْ هذِهِ سَبِيلِي » . قوله : « ذلِكَ » فيه وجهان : أظهرهما : أنه مبتدأ ، خبره الجار بعده ، أي : ذلك الصرف بسبب تكذيبهم . والثاني : أنه في محل نصب ، ثم اختلف في ذلك ، فقال الزمخشري : « صرفهم اللّه ذلك الصرف بعينه » . فجعله مصدرا . وقال ابن عطية : « فعلنا ذلك » . فجعله مفعولا به ، وعلى الوجهين فالباء في « بِأَنَّهُمْ » متعلقة بذلك المحذوف . قوله : « وَكانُوا » في هذه الجملة احتمالان . أحدهما : أنها نسق على خبر « أنّ » ، أي : ذلك بأنهم كذّبوا ، وبأنهم كانوا غافلين عن آياتنا . والثاني : أنها مستأنفة ، أخبر تعالى عنهم بأنّ من شأنهم الغفلة عن الآيات وتدبرها .
--> ( 1 ) انظر البيتين من الخزانة ( 1 / 121 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 10 / 106 ) ، الإنصاف ( 1 / 23 ) ، الصاحبي ( 30 ) ، الدرر ( 2 / 207 ) . ( 2 ) تقدم .