أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

343

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 147 إلى 149 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 147 ) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا . في خبره وجهان : أحدهما : أنه الجملة من قوله : « حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » ، و « هَلْ يُجْزَوْنَ » خبر ثان ، أو مستأنف . والثاني : أن الخبر « هَلْ يُجْزَوْنَ » ، والجملة من قوله : « حَبِطَتْ » في محل نصب على الحال ، و « قد » مضمرة معه ، عند من يشترط ذلك ، وصاحب الحال فاعل « كَذَّبُوا » . قوله : « وَلِقاءِ الْآخِرَةِ » فيه وجهان ، أحدهما : أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله ، والفاعل محذوف ، والتقدير : ولقائهم الآخرة . والثاني : أنه من باب إضافة المصدر للظرف ، بمعنى ولقاء ما وعد اللّه في الآخرة ، ذكرهما الزمخشري . قال الشيخ « 1 » : « ولا يجيز جلة النحويين الإضافة إلى الظرف ، لأن الظرف على تقدير « في » والإضافة عندهم على تقدير اللام ، أو من ، فإنّ اتسع في العامل جاز أن ينصب الظرف نصب المفعول ، ويجوز إذ ذاك أن يضاف مصدره إلى ذلك الظرف المتسع في عامله . وأجاز بعض النحويين أن تكون الإضافة على تقدير « في » ، كما يفهمه ظاهر كلام الزمخشري » . قوله : هَلْ يُجْزَوْنَ هذا الاستفهام معناه النفي ، ولذلك دخلت « إِلَّا » ، ولو كان معناه التقرير لكان موجبا ، فيبعد دخول « إِلَّا » أو يمتنع . وقال الواحدي : « هنا لا بدّ من تقدير محذوف ، أي : إلّا بما كانوا ، أو على ما كانوا ، أو جزاء ما كانوا » . قلت : لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه ، إنما يجزون بمقابله ، وهو واضح . قوله : مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ . أي : من بعد مضيه وذهابه إلى الميقات ، والجاران متعلقان ب « اتَّخَذَ » ، وجاز أن يتعلق بعامل حرفا جرّ متحدا اللفظ ، لاختلاف معنييهما ، لأن الأولى لابتداء الغاية ، والثانية للتبعيض ، ويجوز أن يكون « مِنْ حُلِيِّهِمْ » متعلقا بمحذوف ، على أنه حال من « عِجْلًا » ، لأنه لو تأخر عنه لكان صفة ، فكان يقال : عجلا من حليّهم . وقرأ الأخوان « حليّهم » بكسر الحاء ، ووجهها الاتباع لكسرة اللام ، وهي قراءة أصحاب عبد اللّه وطلحة ، ويحيى بن وثاب ، والأعمش . والباقون بضم اللام ، وهي قراءة الحسن ، وأبي جعفر ، وشيبة بن نصاح . وهو في القراءتين جمع حلي ، فجمع على فعول ، ك « فلس وفلوس ، فأصله : حلوى ، ك « ثديّ » في : « ثدوى ، فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت ، وكسرت عين الكلمة ، وإن كانت في الأصل مضمومة ، لتصح الياء ، ثم لك فيه بعد ذلك وجهان : ترك الفاء على ضمها ، أو إتباعها للعين في الكسر ، وهذا مطرد في كل جمع على فعول من المعتل اللام ، سواء كان الاعتلال بالياء ، ك حليّ ، وثديّ ، أم بالواو نحو : عصيّ ،

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 391 ) .