أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
335
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأخوان « يعكفون » بكسر الكاف ، ويروى عن أبي عمرو أيضا ، والباقون بالضم ، وهما لغتان في المضارع ، ك « يَعْرِشُونَ » . وقد تقدم معنى العكوف واتشاقه في البقرة « 1 » قوله : كَما لَهُمْ آلِهَةٌ الكاف في محل نصب صفة ل « إلها » ، أي : إلها مماثلا لآلهتهم . وفي « ما » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها موصولة حرفية ، أي تتأول بمصدر ، وعلى هذا فصلتها محذوفة ، وإذا حذفت صلة « ما » المصدرية فلا بدّ من إبقاء معمول صلتها ، كقولهم : لا أكلمك ما أنّ حراء مكانه ، أي : ما ثبت أنّ حراء مكانه ، وكذا هنا تقديره : كما ثبت لهم آلهة ، ف « آلِهَةٌ » فاعل ثبت المقدر ، كما أنّ أنّ المفتوحة في المثال المتقدم فاعل ثبت المقدر . وقال أبو البقاء - في هذا الوجه : « والجملة بعدها صلة لها ، وحسن ذلك أن الظرف مقدر بالفعل » . قلت : كلامه على ظاهره ليس بجيد ، لأن « ما » المصدرية لا توصل بالجملة الإسمية على المشهور ، وعلى رأي من يجوز ذلك فيشترط فيها غالبا أن تفهم الوقت ، كقوله : 2301 - واصل خليلك ما التواصل ممكن * فلأنت ، أو هو عن قريب ذاهب « 2 » ولكن مراده أن الجار مقدر بالفعل ، وحينئذ يؤول إلى جملة فعلية ، أي : كما استقر لهم آلهة . الثاني : أن تكون « ما » كافة لكاف التشبيه عن العمل ، فإنها حرف جر ، وهذا كما تكفّ « ربّ » فتليها الجمل الإسمية والفعلية ، ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب ، بل يجوز في « الكاف » ، وفي « ربّ » مع « ما » الزائدة بعدهما وجهان : الإعمال ، والإهمال ، وعلى ذلك قول الشاعر : 2302 - وننصر مولانا ، ونعلم أنّه * كما النّاس مجروم عليه وجارم « 3 » وقول الآخر : 2303 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم * وعناجيح بينهنّ المهار « 4 » يروى برقع « الناس » و « الجامل » ، وجرهما ، هذا إذا أمكن الإعمال ، أما إذا لم يمكن تعيّن أن تكون كافة ، كهذه الآية ، إذا قيل : بأن « ما » زائدة . الثالث : أن تكون « ما » بمعنى الذي ، و « لَهُمْ » صلتها ، وفيه حينئذ ضمير مرفوع مستتر ، و « آلِهَةٌ » بدل من ذلك الضمير ، والتقدير : كالذي استقر هو لهم آلهة . وقال أبو البقاء - في هذا الوجه - « والعائد محذوف ، و « آلِهَةٌ » بدل منه ، تقديره : « كالذي هو لهم » . وتسمية هذا حذفا تسامح ، لأن ضمائر الرفع إذا كانت فاعلة لا توصف بالحذف ، بل بالاستتار . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 139 إلى 142 ] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 139 ) قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 140 ) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 141 ) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 )
--> ( 1 ) انظر آية ( 125 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) البيت لأبي دؤاد الإيادي انظر ديوانه ( 316 ) ، ابن الشجري ( 2 / 243 ) ، ابن يعيش ( 8 / 29 ) ، المغني ( 1 / 137 ) ، الهمع ( 2 / 26 ) .