أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
336
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ . « هؤُلاءِ » إشارة لمن عكفوا على الأصنام ، و « مُتَبَّرٌ » فيه وجهان : أحدهما : أن يكون خبرا ل « إِنَّ » و « ما » موصولة بمعنى الذي ، و « هُمْ فِيهِ » جملة اسمية صلته وعائده ، وهذا الموصول مرفوع باسم المفعول ، فتكون قد أخبرت بمفرد رفعت به سببيا . والثاني : أن يكون الموصول مبتدأ ، و « مُتَبَّرٌ » خبره ، قدم عليه ، والجملة خبر ل « إِنَّ » . قال الزمخشري : « وفي إيقاع » هؤلاء اسما ل « إِنَّ » وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لها ، وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار ، وأنه لا يعدوهم البتة ، وأنه لهم ضربة لازم ، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ، ويبغّض إليهم ما أحبوا » . قال الشيخ : « ولا يتعين ما قاله من تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا ، لأن الأحسن في إعراب مثل هذا أن يكون « مُتَبَّرٌ » خبرا ل « إِنَّ » وما بعده مرفوع ، فذكر ما قررته ، ونظره بقولك : إنّ زيدا مضروب غلامه » . قال : « فالأحسن أن يكون غلامه مرفوعا ب مضروب ، ثم ذكر الوجه الثاني ، وهو أن يكون « مُتَبَّرٌ » خبرا مقدما من الجملة ، وجعله مرجوحا ، وهو كما قال ، لأن الأصل في الأخبار أن تكون مفردة ، فما أمكن فيها ذلك ، لا يعدل عنه ، إلا أن الزمخشري لم يذكر ذلك على سبيل التعيين ، بل على أحد الوجهين ، وقد يكون هذا عنده أرجح مع جهة ما ذكر من المعنى ، وإذا دار الأمر بين مرجح لفظي ، ومرجح معنوي ، فاعتبار المعنوي أولى ، ولا أظن حمل الزمخشري على ذلك إلا ما ذكرت . وقوله : وَباطِلٌ ما كانُوا كقوله : مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ من جواز الوجهين ، وما ذكر فيهما . والتتبير : الإهلاك ، ومنه : التّبر ، وهو كسارة الذهب ، لتهالك الناس عليه . وقيل : التتبير : التكسير والتحطيم ، ومنه : التّبر ، لأنه كسارة الذهب » . قوله : أَ غَيْرَ اللَّهِ . الهمزة للإنكار والتوبيخ . وفي نصب « غَيْرَ » وجهان : أحدهما : أنه مفعول به ل « أَبْغِيكُمْ » على حذف اللام ، تقديره : أبغي لكم غير اللّه ، أي : أطلب لكم ، فلما حذف الحرف وصل الفعل بنفسه ، وهو غير منقاس ، وفي « الهاء » على هذا وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - : أنه تمييز ل « غَيْرَ » . والثاني : أنه حال ، ذكره الشيخ ، وفيه نظر . والثاني : من وجهي « غَيْرَ » - أنه منصوب على الحال من « إِلهاً » ، و « إِلهاً » هو المفعول به ل « أَبْغِيكُمْ » على ما تقرر ، والأصل : أبغي لكم إلها غير اللّه ، ف « غَيْرَ اللَّهِ » صفة ل « إله » ، فلما قدمت صفة النكرة عليها نصبت حالا . وقال ابن عطية : « وغير » منصوبة بفعل مضمر ، هذا هو الظاهر ، ويجوز أن يكون حالا » . وهذا الذي ذكره