أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

317

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فأسند القول إليهم ، وفي الشعراء : « قالَ لِلْمَلَإِ » ، فأسند القول إلى فرعون . وأجاب الزمخشري عن ذلك بثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون هذا الكلام صادرا منه ومنهم ، فحكى هنا عنهم ، وفي الشعراء عنه . والثاني : أنه قاله ابتداء ، وتلقفه عنه خاصته ، فقالوه لأعقابهم . والثالث : أنهم قالوه عنه للناس على طريق التبليغ ، كما يفعل الملوك ، يرى الواحد منهم الرأي ، فيبلغه الخاصة ، ثم يبلغوه لعامتهم . وهذا الثالث قريب من الثاني في المعنى . وقرأ الأخوان هنا وفي يونس : « . . . بكلّ سحّار » والباقون : « بِكُلِّ ساحِرٍ » ، ولا خلاف أن الذي في الشعراء بكلّ سحّار وساحر وسحّار مثل : عالم وعلّام ، وقد عرف أنّ « فعّالا » مثال مبالغة . ويرجح « سحّار » أنه مجاور ل « عَلِيمٌ » ، وكلاهما مثال مبالغة . ويرجح « ساحر » أنه تقدم مثله في قوله : إِنَّ هذا لَساحِرٌ ، وهذا مناسب له . في الشعراء بِسِحْرِهِ وهنا بدون ذلك . قالوا : لأن أول هذه الآية مبني الاختصار . قوله : فَما ذا تَأْمُرُونَ قد تقدم الكلام على « ما ذا » مشبعا في أول هذا التصنيف . والجمهور على « تَأْمُرُونَ » بفتح النون ، وروى كردم عن نافع . وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون « ما ذا » كلّه اسما واحدا في محل نصب على أنه مفعول ثان ل « تَأْمُرُونَ » بعد حذف الياء ، ويكون المفعول الأول ل « تَأْمُرُونَ » محذوفا ، وهو ياء المتكلم ، والتقدير : بأي شيء تأمرونني . وعلى قراءة نافع لا تقول : إن المفعول الأول محذوف ، بل هو في قوة المنطوق به ، لأن الكسرة دالة عليه ، فهذا الحذف غير الحذف في قراءة الجماعة . ويجوز أن تكون « ما » استفهاما في محل رفع بالابتداء ، و « إذا » موصول ، وصلته « تَأْمُرُونَ » ، والعائد محذوف ، والمفعول الأول أيضا محذوف على قراءة الجماعة ، ويقدر العائد منصوب المحل غير معدى إليه بالياء ، فتقديره : فما الذي تأمروننيه ، وقدره ابن عطية : « تأمروني به » . وردّ عليه الشيخ « 1 » : بأنه يلزم من ذلك حذف العائد المجرور بحرف لم يجر الموصول بمثله . ثم اعتذر عنه بأنه أراد التقدير الأصلي ، ثم اتسع فيه بأن حذف الحرف ، فاتصل الضمير بالفعل . وهذه الجملة هل هي من كلام الملأ ، ويكونون قد خاطبوا فرعون بذلك وحده ، تعظيما له ، كما يخاطب الملوك بصيغة الجمع ، أو يكونون قالوه له ولأصحابه ، أو يكون من كلام فرعون على إضمار قول ، أي : فقال لهم فرعون : « فَما ذا تَأْمُرُونَ » ؟ ويؤيد كونها من كلام فرعون قوله تعالى قالوا : أرجه » . وهل « تَأْمُرُونَ » من الأمر المعهود ، أو من الأمر الذي بمعنى المشاورة ؟ والثاني منقول عن ابن عباس . وقال الزمخشري : « هو من أمرته فأمرني بكذا ، أي : شاورته فأشار عليّ برأي » . قوله : أَرْجِهْ . في هذه الكلمة هنا وفي الشعراء ست قراءات في المشهور المتواتر ، ولا التفات إلى من أنكر بعضها ، ولا لمن أنكر على راويها . وضبط ذلك أن يقال : ثلاث مع الهمز ، وثلاث مع عدمه . فأما الثلاث التي مع الهمز فأولها : قراءة ابن كثير وهشام عن ابن عامر « أرجئهو » بهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو . والثانية : قراءة أبي عمرو « أرجئه » كما تقدم ، إلا أنه لم يصلها بواو .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 359 ) .