أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

318

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثالثة : قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر « أرجئه » بهمزة ساكنة وهاء مكسورة من غير صلة . وأما الثلاث التي مع غير الهمزة فأولها : قراءة الأخوين « أَرْجِهْ » بكسر الجيم وسكون الهاء وصلا ووقفا . الثانية : قراءة الكسائي وورش عن نافع « أرجهي » بهاء متصلة بياء . الثالثة : قراءة قالون بهاء مكسورة دون ياء . فأما ضم الهاء وكسرها فقد عرف مما تقدم . وأما الهمز وعدمه فلغتان مشهورتان ، يقال : أرجأته وأرجيته ، أي : أخرته ، وقد قرىء قوله تعالى : تُرْجِي مَنْ تَشاءُ بالهمز ودعمه ، وهذا كقولهم : « توضّأت وتوضّيت . وهل هما مادتان أصليتان أم المبدل فرع الهمز ؟ احتمالان . وقد طعن قوم على قراءة ابن ذكوان ، فقال الفارسي : « ضم الهاء مع الهمز لا يجوز غيره ، ورواية ابن ذكوان عن ابن عامر غلط » . وقال ابن مجاهد : « وهذا لا يجوز ، لأن الهاء لا تكسر إلّا بعد كسرة أو ياء ساكنة » . وقال الحوفي : « ومن القراء من يكسر مع الهمز ، وليس بجيد » . وقال أبو البقاء : « ويقرأ بكسر الهاء مع الهمز ، وهو ضعيف ، لأن الهمزة حرف صحيح ساكن ، فليس قبل الهاء ما يقتضى الكسر . قلت : وقد اعتذر الناس عن هذه القراءة على سبيل التنازل بوجهين : أحدهما : أن الهمزة ساكنة ، والساكن حاجز غير حصين ، وله شواهد مذكورة في موضعها ، فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة ، فلذلك كسرت . الثاني : أن الهمزة كثيرا ما يطرأ عليها التغيير ، وهي هنا في معرض أن تبدل ياء ساكنة ، لسكونها بعد كسرة ، فكأنها وليت ياء ساكنة ، فلذلك كسرت . وقد اعترض أبو شامة على هذين الجوابين بثلاثة أوجه : الأول : أن الهمز معتد به حاجرا بإجماع في « أنبئهم » و « ننبهم » والحكم واحد في ضمير الجمع والمفرد فيما يرجع إلى الكسر والضم . الثاني : أنه كان يلزمه صلة الهاء ، إذ هي في حكمه ، كأنها قد وليت الجيم . الثالث : أن الهمز لو قلب ياء لكان الوجه المختار ضم الهاء مع صريح الياء نظرا إلى أن أصلها همزة ، فما الظن بمن يكسر الهاء مع صريح الهمزة ، وسيأتي تحقيق ذلك في باب وقف حمزة وهشام ، فضم الهاء مع الهمز هو الوجه . وقد استضعف أبو البقاء قراءة ابن كثير وهشام ، فإنه قال : « وأرجئه » يقرأ بالهمز وضم الهاء من غير إشباع وهو الجيّد ، وبالإشباع وهو ضعيف ، لأن الهاء خفية ، فكأن الواو التي بعدها تتلو الهمزة ، وهو قريب من الجمع بين الساكنين ، ومن ههنا ضعف قولهم : « عليهي مال بالإشباع » . قلت : وهذا التضعيف ليس بشيء ، لأنها لغة ثابتة عن العرب ، أعني : إشباع حركة الهاء بعد ساكن مطلقا ، وقد تقدم أن هذا أصل لابن كثير ، ليس مختصا بهذه اللفظة ، بل قاعدته : كل هاء كناية بعد ساكن أن تشبع حركتها حتى يتولد منها حرف مد ، نحو : منهو ، وعنهو ، وأرجيهو إلا قبل ساكن ، فإن المد يحذف لالتقاء الساكنين ، إلا في موضع واحد رواه عنه البزي ، وهو : « عنهو تّلهى » بتشديد التاء ، ولذلك استضعف الزجاج قراءة الأخوين ، قال - بعد ما أنشد قوله : 2275 - لما رأى أن لا دعه ولا شبع * مال إلى أرطأة حقف فالطجع « 1 »

--> ( 1 ) تقدم .