أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

313

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« وَإِنْ وَجَدْنا » « إِنْ » هذه هي المخففة ، وليست هنا عاملة لمباشرتها الفعل ، فزال اختصاصها المقتضى لإعمالها . وقال الزمخشريّ : « وإن الشأن والحديث وجدنا » . فظاهر هذه العبارة أنها معملة . وأن اسمها ضمير الأمر والشأن . وقد صرح أبو البقاء هنا بأنها معملة ، وأن اسمها محذوف ، إلا أنه لم يقدره ضمير الحديث ، بل غيره ، فقال : « واسمها محذوف ، أي : إنا وجدنا » . وهذا مذهب النحويين ، أعني اعتقاد إعمال المخفف من هذه الحروف في « أن » المفتوحة على الصحيح ، وفي « كأن » التشبيهية . وأما « إن » المخففة المكسورة فلا ، وقد تقدم ذلك أوضح من هذا . و « وجد » هنا متعدية لاثنين ، أولهما « أَكْثَرَهُمْ » والثاني « لَفاسِقِينَ » قال الزمخشري : « والوجود بمعنى العلم من قولك : « وجدت زيدا ذا الحفاظ ، بدليل دخول « إِنْ » المخففة واللام الفارقة ، ولا يسوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر ، والأفعال الداخلة عليهما » . يعني أنها مختصة بالابتداء أو بالأفعال الناسخة له ، وهذا هو مذهب الجمهور ، وقد تقدم لك خلاف عن الأخفش أنه يجوز على غيرها ، وقدمت دليله على ذلك . واللام فارقة . وقيل : هي عوض من التشديد . قال مكي : « ولزمت اللام في خبرها عوضا من التشديد » . والمعروف الأول . وتقدم الكلام أيضا أن بعض الكوفيين يجعلون « إِنْ » نافية ، واللام بمعنى « إلّا » في قوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً . قوله : فَظَلَمُوا بِها . يجوز أن يضمّن « ظلموا » معنى « كفروا » فيتعدى بالباء كتعديته ، ويؤيده : « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » ، ويجوز أن تكون الباء سببية ، والمفعول محذوف ، تقديره : فظلموا أنفسهم ، أو ظلموا الناس ، بمعنى : صدوهم عن الإيمان بسبب الآيات . وقوله : « لِأَكْثَرِهِمْ » و « أَكْثَرَهُمْ » و « مِنْ بَعْدِهِمْ » إن جعلنا هذه الضمائر كلها للأمم السالفة اعتراض ، وإن جعلنا الضمير في « لِأَكْثَرِهِمْ » و « أَكْثَرَهُمْ » لعموم الناس ، والضمير في « مِنْ بَعْدِهِمْ » للأمم السالفة كانت هذه الجملة أعني : « وَما وَجَدْنا » اعتراضا ، كذا قاله الزمخشري ، وفيه نظر ، لأنه إذا كان الأول عاما ، ثم ذكر شيء يندرج فيه ما بعده وما قبله ، كيف يجعل ذلك العام معترضا بين الخاصين ، وأيضا فالنحويون إنما يعرفون الاعتراض فيما اعترض به بين متلازمين ، إلا أن أهل البيان عندهم الاعتراض أعم من ذلك ، حتى إذا أتى بشيء بين شيئين مذكورين في قصة واحدة سموه اعتراضا . قوله : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ . « كَيْفَ » خبر ل « كانَ » مقدم عليها واجب التقديم ، لأن له صدر الكلام و « عاقِبَةُ » اسمها ، وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط حرف الجر ، إذ التقدير : فانظر إلى كذا . قوله : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ . قرأ العامة « عَلى أَنْ » ب « عَلى » التي هي حرف جر داخلة على « أَنْ » وما في حيّزها . ونافع قرأ « عليّ » ، ب « عَلى » أيضا التي هي حرف جر داخلة على ياء المتكلم . فأما قراءة العامة ففيها ستة أوجه ، ذكر الزمخشريّ منها أربعة ، قال - رحمه اللّه - : « وفي المشهورة إشكال ، ولا يخلو من وجوه : أحدها : أن يكون مما قلب من الكلام ، كقوله :